الغزالي

220

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم . والثانية : لو كانت السماوات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللتها لهم . والثالثة : أقبل بوجهي عليهم ، فترى من أقبلت بوجهي عليه ، ما يعلم أحد ما أريد أن أعطيه ! وفي أخبار داود عليه السلام ، أن اللّه تعالى أوحى إليه : يا داود إلى كم تذكر الجنّة ، ولا تسألني الشوق إليّ ؟ قال : يا ربّ من المشتاقون إليك ؟ قال : إن المشتاقين إليّ الذين صفّيتهم من كل كدر ، ونبّهتهم بالحذر ، وخرقت من قلوبهم خرقا ينظرون إليّ ، وإني لأحمل قلوبهم بيدي ، فأضعها على سمائي ، ثم أدعو نجباء « 1 » ملائكتي ، فإذا اجتمعوا سجدوا لي ، فأقول : إنّي لم أدعكم لتسجدوا لي ، ولكنّي دعوتكم لأعرض عليكم المشتاقين إليّ ، وأباهي بكم أهل الشوق إليّ ، فإنّ قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتي ، كما تضيء الشمس لأهل الأرض ، يا داود إنّي خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ، ونعّمتها بنور وجهي ، فاتّخذتهم لنفسي محدثيّ ، وجعلت أبدانهم موضع نظري إلى الأرض ، وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إليّ ، ويزدادون في كلّ يوم شوقا . قال داود : يا ربّ أرني أهل محبّتك ! فقال : يا داود ائت جبل لبنان ، فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبّان ، وفيهم شيوخ ، وفيهم كهول ، فإذا أتيتهم فأقرئهم منّي السلام وقل لهم : إنّ ربّكم يقرئكم السلام ويقول لكم : ألا تسألون حاجة ؟ فإنكم أحبّائي وأصفيائي وأوليائي ، أفرح لفرحكم ، وأسارع إلى محبتكم . فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكّرون في عظمة اللّه عزّ وجلّ ، فلمّا نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرّقوا عنه ، فقال داود : إنّي رسول اللّه إليكم ، جئتكم لأبلغكم رسالة ربّكم ، فأقبلوا نحوه ، وألقوا أسماعهم نحو قوله ، وألقوا أبصارهم إلى الأرض ، فقال داود : إني رسول اللّه إليكم ، يقرئكم السلام ويقول لكم : ألا تسألون حاجة ؟ ألا تنادوني أسمع صوتكم وكلامكم ؟ فإنّكم أحبّائي وأصفيائي وأوليائي ،

--> ( 1 ) نجباء : جمع نجب وهو الذي بان فضله على من كان مثله .