الغزالي
218
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
40 - باب : في فضل الطاعة اعلم أنّ طاعة اللّه سبحانه وتعالى جماع الخير كلّه ، وقد حثّ اللّه تعالى عليها في كتابه في آيات متعدّدة ، وبها أرسل الرّسل ، ليخرج الناس من ظلمات النفوس إلى أنوار معرفة القدّوس ، وليتمتّعوا في دار النعيم التي أعدّت للمتّقين ، بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فإنهم لم يخلقوا عبثا ، بل لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى « 1 » وهو الغنيّ عن طاعتهم ، ولا تضرّه معصيتهم ، ولا تنقص من كمالاته شيئا . فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ « 2 » مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها « 3 » . وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ « 4 » . يا عجبا أحدنا يشتري الرقيق ، ويحبّ أن يكون قائما بما يلزم من الخدمة ، ناصحا فيها منقادا لمولاه الذي استولى عليه بالعرض اليسير الفاني ، ويمقته بزلّة واحدة ، ويغضب عليه ، وربّما منعه مرتّبه ، أو طرده ، أو باعه ، فما لنا لا نطيع مولانا الحقيقي الذي خلقنا وسوّانا ، ونقع في زلّات عدد المطر ، ومع ذلك لم يمنع نعمه عنّا ، وإمداداته التي لولاها لهلكنا ، وهو قادر على البطش بنا بمجرّد ارتكاب زلّة واحدة ، لكنّه يمهلنا لعلّنا نتوب فيقبلنا ، ويغفر زلّتنا ، ويستر عورتنا . فالعاقل يعرف من هو الأحقّ بالطاعة ، فيقبل عليه ، ويتوجّه بكلّيته إليه ، وكلّما أذنب تاب ، وإلى خالقه أناب ، ولا ييأس من رحمته ، ويتحبّب إليه بشكر نعمته ، ويواظب على ذلك عسى أن يكتب من المحبّين ، فيأتيه الموت وهو مشتاق إلى مولاه ، ومولاه أشدّ شوقا إلى لقائه .
--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية : 31 . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 38 . ( 3 ) سورة فصلت ، الآية : 46 . ( 4 ) سورة محمد ، الآية : 38 .