الغزالي
210
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وأشدّ ما تجودنه في الشتاء من زمهريرها » « 1 » . وقال أنس بن مالك : يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار ، فيقال : اغمسوه في النار غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا ، ويؤتى بأشدّ الناس ضرّا في الدنيا ، فيقال : اغمسوه في الجنة غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت ضرّا قط ؟ فيقول : لا . وقال أبو هريرة : لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ، ثم تنفّس رجل من أهل النار لماتوا . وقد قال بعض العلماء في قوله : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ « 2 » إنها لفحتهم لفحة واحدة ، فما أبقت لحما على عظم إلا ألقته عند أعقابهم . ثم انظر بعد هذا في نتن الصّديد الذي يسيل من أبدانهم حتى يغرقون فيه ، وهو الغسّاق « 3 » . قال أبو سعيد الخدري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أنّ دلوا من غسّاق جهنّم ألقي في الدنيا لأنتن أهل الأرض » . فهذا شرابهم إذا استغاثوا من العطش ، فيسقى أحدهم مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ « 4 » وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ « 5 » يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً « 6 » . ثم انظر إلى طعامهم ، وهو الزّقّوم « 7 » ، كما قال اللّه تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ
--> ( 1 ) زمهريرها : أي بردها الشديد . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية : 104 . ( 3 ) الغساق : ما يسيل من جلود أهل النار وصديدهم . ( 4 ) سورة إبراهيم ، الآيتان : 16 ، 17 . ( 5 ) كالمهل : أي المعدن المذاب من فضة ونحاس . ( 6 ) سورة الكهف ، الآية : 29 . ( 7 ) الزّقوم : شجرة مرّة كريهة الرائحة ثمرها طعام أهل النار ، وقيل كل طعام يقتل .