الغزالي
209
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
هاوية أعمق منها . قال أبو هريرة : كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسمعنا وجبة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتدرون ما هذا ؟ » قلنا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما ، الآن انتهى إلى قعرها » . ثم انظر إلى تفاوت الدرجات ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ، فكما أنّ إكباب الناس على الدنيا يتفاوت ، فمن منهمك مستكثر كالغريق فيها ، ومن خائض فيها إلى حدّ محدود ، فكذلك تناول النار لهم متفاوت ، فإنّ اللّه لا يظلم مثقال ذرّة ، فلا تترادف أنواع العذاب على كلّ من في النار كيفما كان ، بل لكلّ واحد حدّ معلوم على قدر عصيانه وذنبه ، إلا أنّ أقلّهم عذابا لو عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ، لافتدى بها من شدّة ما هو فيه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه » . فانظر الآن إلى من خفّف عليه ، واعتبر به من شدّد عليه ، ومهما تشكّكت في شدّة عذاب النار ، فقرّب أصبعك من النار ، وقس ذلك به ، ثم اعلم أنك أخطأت في القياس ، فإن نار الدنيا لا تناسب نار جهنم ، ولكن لما كان أشدّ عذاب في الدنيا عذاب هذه النار ، عرف عذاب جهنم بها ، وهيهات لو وجد أهل الجحيم مثل هذه النار ، لخاضوها طائعين ، هربا ممّا هم فيه ، وعن هذا عبّر في بعض الأخبار حيث قيل : إن نار الدنيا غسلت بسبعين ماء من مياه الرحمة حتى أطاقها أهل الدنيا . بل صرّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصفة نار جهنّم فقال : « أمر اللّه تعالى أن يوقد على النار ألف عام حتى إحمرّت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودّت ، فهي سوداء مظلمة » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اشتكت النار إلى ربّها فقالت : يا ربّ أكل « 1 » بعضي بعضا ، فأذن لها في نفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، فأشدّ ما تجدونه في الصيف من حرّها ،
--> ( 1 ) أكل : أفنى .