الغزالي
208
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
جباههم ، فيتفجّر الصديد من أفواههم ، وتنقطع من العطش أكبادهم ، وتسيل على الخدود أحداقهم ، ويسقط من الوجنات لحومها ، ويتمعّط « 1 » من الأطراف شعورها ، بل جلودها ، وكلما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها ، قد عريت من اللحم عظامهم ، فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب ، وهي تنشّ في لفح تلك النيران ، وهم مع ذلك يتمنّون الموت فلا يموتون . فكيف بك لو نظرت إليهم وقد سوّدت وجوههم أشدّ سوادا من الحميم ، وأعميت أبصارهم ، وأبكمت ألسنتهم ، وقصمت ظهورهم ، وكسرت عظامهم ، وجدعت « 2 » آذانهم ، ومزقت جلودهم ، وغلّت أيديهم إلى أعناقهم ، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم ؟ وهم يمشون على النار بوجوههم ، ويطؤون حسك الحديد بأحداقهم ؟ فلهيب النار سار في بواطن أجزائهم ، وحيّات الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر أعضائهم . هذا بعض جملة أحوالهم ، وانظر الآن في تفصيل أهوالهم وتفكّر أيضا في أودية جهنم وشعابها . فقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن في جهنم سبعين ألف واد ، في كلّ واد سبعون ألف شعب ، وفي كلّ شعب سبعون ألف ثعبان ، وسبعون ألف عقرب ، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كلّه » . وقال عليّ كرّم اللّه وجهه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعوّذوا باللّه من جبّ الحزن ، أو وادي الحزن » قيل : يا رسول اللّه ! وما وادي أو جبّ الحزن ؟ قال : « واد في جهنّم ، تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم سبعين مرّة ، أعدّه اللّه تعالى للقرّاء المرائين » . فهذه سعة جهنم ، وانشعاب أوديتها ، وهي بحسب عدد أودية الدنيا وشهواتها ، وعدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة التي بها يعصي العبد ، بعضها فوق بعض ، الأعلى جهنم ، ثم سقر ، ثم لظى ، ثم الحطمة ، ثم السعير ، ثم الجحيم ، ثم الهاوية . فانظر الآن في عمق الهاوية ، فإنّه لا حدّ لعمقها ، كما لا حدّ لعمق شهوات الدنيا ، فكما لا ينتهي أرب من الدنيا إلّا إلى أرب أعظم منه ، فلا تنتهي هاوية من جهنّم إلا إلى
--> ( 1 ) يتمعط : يتساقط ويتناثر . ( 2 ) جدعت : قطعت .