الغزالي
207
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدّة الغيظ والغضب . فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب ، وجثت الأمم على الرّكب ، حتى أشفق « 1 » البرآء من سوء المنقلب ، وخرج المنادي من الزّبانية قائلا : أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل ، المضيّع عمره في سوء العمل ؟ فيبادرونه بمقامع من حديد ، ويستقبلونه بعظائم التهديد ، ويسوقونه إلى العذاب الشديد ، وينكّسونه في قعر « 2 » الجحيم ، ويقولون له : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 3 » . فأسكنوا دارا ضيّقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك ، يخلد فيها الأسير ، ويوقد فيها السّعير ، شرابهم فيها الحميم ، ومستقرّهم الجحيم ، الزبانية تقمعهم ، والهاوية تجمعهم ، أمانيهم فيها الهلاك ، وما لهم فيها فكاك ، قد شدّت أقدامهم إلى النواصي ، واسودّت وجوههم من ظلمة المعاصي ، ينادون من أكنافها ، ويصيحون في نواحيها وأطرافها : يا مالك قد حقّ علينا الوعيد ، يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منّا الجلود ، يا مالك أخرجنا منها فإنّا لا نعود . فتقول الزبانية : هيهات لات حين أمان ، ولا خروج لكم من دار الهوان ، فاخسؤوا فيها ولا تكلمون ، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون ، فعند ذلك يقنطون ، وعلى ما فرّطوا في جنب اللّه يتأسّفون ، ولا ينجّيهم الندم ، ولا يغنيهم الأسف ، بل يكبّون على وجوههم مغلولين ، النار من فوقهم ، والنار من تحتهم ، والنار عن أيمانهم ، والنار عن شمائلهم ، فهم غرقى في النار ، طعامهم نار ، وشرابهم نار ، ولباسهم نار ، ومهادهم نار ، فهم بين مقطّعات النيران ، وسرابيل القطران ، وضرب المقامع ، وثقل السلاسل ، فهم يتجلجلون في مضايقها ، ويتحطّمون في دركاتها ، ويضطربون بين غواشيها ، تغلي بهم النار كغلي القدور ، ويهتفون بالويل والعويل ومهما دعوا بالثبور ، صبّ من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، تهشم بها
--> ( 1 ) أشفق : خاف . ( 2 ) قعر : أي أقصى عمق جهنم . ( 3 ) سورة الدخان ، الآية : 49 .