الغزالي

184

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وأما الآثار في الرضا والقناعة فكثيرة ، ولا يخفى أنّ القناعة يضادّها « 1 » الطمع ، وقد قال عمر رضي اللّه عنه : إنّ الطمع فقر ، واليأس غنى ، وإنه من يئس عمّا في أيدي الناس ، وقنع استغنى عنهم . وقال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه : ما من يوم إلّا وملك ينادي من تحت العرش : يا ابن آدم ، قليل يكفيك ، خير من كثير يطغيك « 2 » . وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : ما من أحد إلّا وفي عقله نقص ، وذلك أنّه إذا أتته الدنيا بالزيادة ظلّ فرحا مسرورا ، والليل والنهار دائبان « 3 » في هدم عمره ، ثم لا يحزنه ذلك ، ويح ابن آدم ! ما ينفع مال يزيد ، وعمر ينقص ؟ وقيل لبعض الحكماء : ما الغنى ؟ قال : قلّة تمنّيك ، ورضاك بما يكفيك . وقيل : كان إبراهيم بن أدهم من أهل النّعم بخراسان ، فبينما هو يشرف من قصر له ذات يوم ، إذ نظر إلى رجل في فناء القصر ، وفي يده رغيف يأكله ، فلمّا أكل نام ، فقال لبعض غلمانه : إذا قام فجئني به ، فلمّا قام جاء به إليه فقال إبراهيم : أيّها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع ؟ قال : نعم . قال : فشبعت ؟ قال : نعم . قال : ثم نمت طيّبا ؟ قال : نعم . فقال إبراهيم في نفسه : فما أصنع أنا بالدنيا ، والنفس تقنع بهذا القدر ؟ . ومرّ رجل بعامر بن عبد القيس وهو يأكل ملحا وبقلا فقال له : يا عبد اللّه أرضيت من الدنيا بهذا ؟ فقال : ألا أدلّك على من رضي بشرّ من هذا ؟ قال : بلى . قال : من رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة . وكان محمد بن واسع رحمة اللّه عليه يخرج خبزا يابسا فيبلّه بالماء ، ويأكله بالملح ويقول : من رضي من الدنيا بهذا ، لم يحتج إلى أحد .

--> ( 1 ) يضادّها : من الضد وهو العكس . ( 2 ) يطغيك : يفسدك . ( 3 ) دائبان : متواظبان .