الغزالي
168
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
العلقم إذا عجنها الحكيم ، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ . اللهم أرشدنا إلى الصواب . وقال بعض الحكماء وقد استوصف الدّنيا وقدر بقائها فقال : الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك ، لأنّ ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به ، والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته ، وتطويه ساعاته ، وأحداث تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان ، والدّهر موكّل بتشتيت الجماعات وانخرام الشّمل ، وتنقّل الدّول ، والأمل طويل ، والعمر قصير ، وإلى اللّه تصير الأمور . وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة اللّه عليه فقال : يا أيّها الناس إنّكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدّقون به فإنّكم حمقى ، وإن كنتم تكذّبون به فإنكم هلكى ، فما خلقتم للأبد ، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون . عباد اللّه إنّكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ، ومن شرابكم شرق ، لا تصفو لكم نعمة تسرّون بها ، إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها ، فاعلموا لما أنتم صائرون إليه ، وخالدون فيه . ثم غلبه البكاء ونزل . وقال عليّ كرّم اللّه وجهه في خطبته : أوصيكم بتقوى اللّه ، والتّرك للدنيا التاركة لكم ، وإن كنتم لا تحبّون تركها ، المبلية أجسامكم ، وأنتم تريدون تجديدها ، فإنّما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا ، وكأنّهم قد قطعوه ، وأفضوا إلى علم فكأنّهم بلغوه ، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية ؟ وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا ، وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها ؟ فلا تجزعوا لبؤسها وضرّائها ، فإنّه إلى انقطاع ، ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها ، فإنه إلى زوال . عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه . وقال محمد بن الحسين : لمّا علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أهان الدنيا ، وأنّه لم يرضها لأوليائه ، وأنّها عنده حقيرة ذليلة ، وأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زهد فيها ، وحذّر أصحابه فتنتها ، أكلوا منها قصدا ، وقدّموا فضلا ، وأخذوا منها ما يكفي ، وتركوا ما يلهي ، لبسوا من الثياب ما ستر العورة ، وأكلوا من الطعام أدناه ،