الغزالي

156

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

يا خاطب الدّنيا إلى نفسها * تنحّ عن خطبتها تسلم إنّ التي تخطب غدّارة * قريبة العرس من المأتم وقال أبو الدّرداء : من هوان الدنيا على اللّه أنّه لا يعصى إلّا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها . وفي ذلك قيل : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت * له عن عدوّ في ثياب صديق وقيل أيضا : يا راقد الليل مسرورا بأوّله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت منعّمة * كرّ الجديدين « 1 » إقبالا وإدبارا كم قد أبادت صروف الدّهر من ملك * قد كان في الدّهر نفّاعا وضرّارا يا من يعانق دنيا لا بقاء له * يمسي ويصبح في دنياه سفارا هلّا تركت من الدّنيا معانقة * حتّى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها * فينبغي لك أن لا تأمن النارا وقال أبو أمامة الباهلي رضي اللّه عنه : لمّا بعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أتت إبليس جنوده فقالوا : قد بعث نبيّ ، وأخرجت أمّة . قال : يحبّون الدنيا ؟ قالوا : نعم . قال : لئن كانوا يحبّون الدنيا ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان ، وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث : أخذ المال من غير حقّه . وإنفاقه في غير حقّه ، وإمساكه عن حقّه ، والشرّ كلّه من هذا نبع . وقال رجل لعليّ كرّم اللّه وجهه : يا أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا ؟ قال : وما أصف لك من دار من صحّ فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغني فيها افتتن . في حلالها الحساب ، وفي حرامها العقاب ، وفي متشابهها العتاب . وقيل له ذلك مرّة أخرى فقال : أطوّل أم أقصّر ؟ فقيل : قصّر . فقال : حلالها حساب ، وحرامها عذاب . وقال مالك بن دينار : اتقوا السحّارة ، فإنها تسحر قلوب العلماء . يعني الدنيا . وقال أبو سليمان الداراني : إذا كانت الآخرة في القلب ، جاءت الدّنيا تزاحمها ،

--> ( 1 ) الجديدين : الليل والنهار .