الغزالي
157
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فإذا كانت الدنيا في القلب ، لم تزاحمها الآخرة ، لأنّ الآخرة كريمة ، والدنيا لئيمة . وهذا تشديد عظيم ، ونرجو أن يكون ما ذكره سيّار بن الحكم أصحّ إذ قال : الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب ، فأيّهما غلب كان الآخر تبعا له . وقال مالك بن دينار : بقدر ما تحزن للدنيا ، يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة ، يخرج همّ الدنيا من قلبك . وهذا اقتباس مما قاله عليّ كرّم اللّه وجهه حيث قال : الدّنيا والآخرة ضرّتان ، فبقدر ما ترضي إحداهما تسخط الأخرى . وقال الحسن : واللّه لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ، ما يبالون أشرّقت الدّنيا أم غرّبت ، ذهبت إلى ذا ، أو ذهبت إلى ذا : وقال رجل للحسن : ما تقول في رجل آتاه اللّه مالا فهو يتصدّق منه ، ويصل منه ، أيحسن له أن يتعيّش فيه ؟ يعني يتنعّم . فقال : لا ، لو كانت له الدنيا كلّها ما كان له منها إلّا الكفاف ، ويقدّم ذلك ليوم فقره . وقال الفضيل : لو أنّ الدّنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة ، لكنت أتقذّرها كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه . وقيل : لمّا قدم عمر رضي اللّه عنه الشام ، فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على ناقة مخطومة بحبل ، فسلّم وسأله ، ثم أتى منزله ، فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : لو اتّخذت متاعا ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا يبلّغنا المقيل . وقال سفيان : خذ من الدنيا لبدنك ، وخذ من الآخرة لقلبك . وقال الحسن : واللّه ، لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبّهم للدنيا . وقال وهب : قرأت في بعض الكتب : الدنيا غنيمة الأكياس « 1 » ، وغفلة الجهّال ، لم يعرفوها حتى خرجوا منها ، فسألوا الرّجعة ، فلم يرجعوا .
--> ( 1 ) الأكياس : جمع كيّس وهو العاقل .