الغزالي

155

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال ابن مسعود : ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف ، وماله عارية ، فالضّيف مرتحل ، والعارية مردودة . وفي ذلك قيل : وما المال والأهلون إلا وديعة * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع وزار رابعة أصحابها ، فذكروا الدّنيا ، فأقبلوا على ذمّها فقالت : اسكتوا عن ذكرها ، فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها . ألا من أحبّ شيئا أكثر من ذكره . وقيل لإبراهيم بن أدهم : كيف أنت ؟ فقال : نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع فطوبى لعبد آثر اللّه ربّه * وجاد بدنياه لما يتوقّع وقيل أيضا في ذلك : أرى طالب الدّنيا وإن طال عمره * ونال من الدنيا سرورا وأنعما كبان بنى بنيانه فأقامه * فلما استوى ما قد بناه تهدّما وقيل أيضا في ذلك : هب الدنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلّا مثل فيء « 1 » * أظلّك ثم آذن بالزوال وقال لقمان لابنه : يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا . وقال مطرّف بن الشّخّير : لا تنظر إلى خفض عيش الملوك ، ولين رياشهم ، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم ، وسوء منقلبهم . وقال ابن عبّاس : إنّ اللّه تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء : جزء للمؤمن ، وجزء للمنافق ، وجزء للكافر . فالمؤمن يتزوّد ، والمنافق يتزيّن ، والكافر يتمتّع . وقال بعضهم : الدنيا جيفة ، فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب . وفي ذلك قيل :

--> ( 1 ) فيء : مكان يستظل به .