الغزالي
151
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال عيسى عليه السلام : من الذي يبني على موج البحر دارا ، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا . وقيل لعيسى عليه السلام : علّمنا علما واحدا يحبّنا اللّه عليه . قال : أبغضوا الدنيا يحبّكم اللّه تعالى . وقال أبو الدرداء : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولهانت عليكم الدنيا ، ولآثرتم الآخرة » . ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه : لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصّعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا راجع إليها ، إلا ما لا بدّ لكم منه ، ولكن غيّب عن قلوبكم ذكر الآخرة الأمل ، فصارت الدنيا أملك بأعمّكم ، وصرتم كالذين لا يعلمون ، فبعضكم شرّ من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته . ما لكم لا تحابّون ، ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين اللّه ؟ ما فرّق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ، ولو اجتمعتم على البرّ لتحاببتم ، مالكم تناصحون في أمر الدنيا ، ولا تناصحون في أمر الآخرة ؟ ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبّه ويعينه على أمر آخرته ؟ ما هذا إلّا من قلّة الإيمان في قلوبكم ، لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرّها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة ، لأنها أملك لأموركم . فإن قلتم : حبّ العاجلة غالب ، فإنّا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل منها ، تكدّون أنفسكم بالمشقة والاحتراف في طلب أمر ، لعلّكم لا تدركونه ، فبئس القوم أنتم ، ما حقّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم ، فإن كنتم في شكّ مما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأتونا لنبيّن لكم ، ولنريكم من النور ما تطمئنّ إليه قلوبكم . واللّه ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم ، إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم ، وتأخذون بالحزم « 1 » في أموركم .
--> ( 1 ) الحزم : القوة .