الغزالي

152

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه ، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتى يتبيّن ذلك في وجوهكم ، ويظهر على ألسنتكم وتسمّونها المصائب ، وتقيمون فيها المآتم ، وعامّتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ، ثم لا يتبيّن ذلك في وجوهكم ، ولا يتغيّر حالكم ؟ إنّي لأرى اللّه قد تبرّأ منكم ، يلقى بعضكم بعضا بالسرور ، وكلّكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره ، مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله ، فأصبحتم على الغلّ « 1 » ونبتت مراعيكم على الأمل ، وتصافيتم على رفض الأجل ، ولوددت أنّ اللّه تعالى أراحني منكم ، وألحقني بمن أحبّ رؤيته ، ولو كان حيّا لم يصابركم ، فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم ، وإن تطلبوا ما عند اللّه تجدوه يسيرا ، وباللّه أستعين على نفسي وعليكم . وقال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين ، ارضوا بدنيء « 2 » الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا . وفي معناه قيل : أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * وما أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس * تغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال عيسى عليه السلام : يا طالب الدنيا لتبر * تركك الدنيا أبرّ وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : « لتأتيّنكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم ، كما تأكل النار الحطب » . وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : يا موسى لا تركننّ إلى حبّ الدنيا ، فلن تأتيني بكبيرة هي أشدّ منها . ومرّ موسى عليه السلام برجل وهو يبكي ، ورجع وهو يبكي ، فقال موسى : يا ربّ عبدك يبكي من مخافتك ، فقال : يا ابن عمران لو سال دماغه مع دمع عينيه ، ورفع يديه

--> ( 1 ) الغلّ : الحقد والحسد . ( 2 ) بدنيء : من الدناءة وهي القلة .