ابو القاسم عبد الكريم القشيري
9
نحو القلوب
ومن حسن الحظ أن نفرا من العلماء حينما تعمق في أسرار المادة والطاقة ، شردت المادة منهم وأفلتت الطاقة من أيديهم ، وارتدت كثير من الملاحظات والتجارب المعملية المادية إلى الروحانية ، وما وراء هذا العالم ، وهذا واحد من علمائهم ( أينشتين ) يرى أن الإنسان الذي لم يختبر وقفة من وقفات الصوفية حيال ذلك العالم ، ولم يشعر نحوه بالروعة فهو حي حكمه حكم الميت » « 12 » . وذلك عالم روسى بردييف ( Berdyaef ) اختبر أزمات أوروبا كلها ، وشهد أزمات القيصرية في روسيا ، كما شهد أزمة الشيوعية ، ولم تزده هذه المواقف المحيرة إلا اعتصاما بالضمير الروحاني وساء ظنه بالثقافات والحضارات الغربية ، لأنها تستغرق النفوس بالشواغل الدنيوية التي تنحصر في السطوة والمال ، ويبشر بصوفية وروحانية جديدة ؛ لأن الصوفية في نظره أعمق من الديانات ويجب أن تنتصر الصوفية على أباطيل الدعوات الاجتماعية المتشبهة بها ، كما يجب أن تنتصر دولة الروح على دولة القيصر « 13 » . ومعنى هذا أن مناهج البحث عن ( الحقيقة ) قد أفلست ، حين اتخذت من المادة وحدها تجربتها وتفسيرها ، وهذا يتنافى مع الإنسان والخلق والدين ، فالعالم الذي نعيش فيه على شفا جرف هار مع انطلاق الماديات وسيطرة العلوم ، وصرامة قبضة الإنسان في الكون ، وهذا يعنى أن العالم لن تحل مشاكله بالوقوف على علوم المادة ونظرياتها ، وتفسيراتها وحتميتها ، والاحتمالات الرياضية ، وحقيقة الوجود ، ونظريات التطور العضوي ، والكشوف الحديثة ، والسنن الكونية ، بل إن مشكلات هذا العالم منبعها عجزه عن إشباع روحه ، لا من عجزه عن إشباع جوفه .
--> ( 12 ) عقائد المفكرين في القرن العشرين 97 وما بعدها : العقاد . الناشر ( الأنجلو المصرية ) . ( 13 ) عقائد المفكرين : 135 .