ابو القاسم عبد الكريم القشيري
10
نحو القلوب
وقد استطاع الإسلام أن يوفق بين الروح والمادة ، والدين والعلم لأنه مدنية كاملة ، وذلك سر خلوده وبقائه . واستمع إلى الأستاذ بروم ( Broom ) « 14 » حيث يقرر بأنه لم تقنعه مباحثه في دراسة الحفريات الفقرية طيلة خمسين سنة بأن أنواع الحياة الأخيرة قد جاءت من طريق التطور وكفى ، بل أقنعته كذلك بأن هذا التطور لم يحدث جزافا ولا عرضا ، ولكنه حدث بهداية أو هدايات روحانية . ومن هنا نرى أن الصوفية قد طوت هذه الأبعاد والمسافات ، وصححت الانحرافات والنتوآت ، ووصلت إلى النهاية من أقصر طريق حين ابتدءوا سيرهم من عالم غير عالم الشهادة ، وهو عالم الوعي الروحي ، على حين ضل غيرهم ضلالا بعيدا حين اعتمدوا على تجاربهم وأجهزتهم ، ومعادلاتهم ومعاملهم . - 3 - [ إن الميزان الدقيق في الإسلام هو . . . ] إن الميزان الدقيق في الإسلام هو أن نتجه بأعمالنا إلى الله ، لتصبح الحياة كلها عبادة : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 15 » ، فنسمو بها وتسمو بنا ، ونحولها إلى طريق الحق والخير ، والحب والرحمة ، وبهذا ينتقل الإنسان من الأرض إلى السماء ، وإلى هذا تدعو الصوفية : إلى عبادة مخلصة لله ، مع عبودية صادقة له ، نتقرب إليه لنيل محبته ، ومعاملة للخلق بإحسان ، فالتصوف الحق : عبادة وعرفان وأخلاق ، وهو : التهذيب علما ، وتخلقا ، وتحققا . وفي ذلك أعلى مراحل التدين ، وعلينا نحن المسلمين أن نعمق هذا الاتجاه الصوفي بإبراز هذا المنهج الإسلامي الروحي ، وننشر أهدافه ومعالمه - بالقدوة والسلوك والتأثير ، لا بالتزييف والوعظ والشعارات والمباهاة .
--> ( 14 ) عضو الجمعية الملكية الإنجليزية : 88 : عقائد المفكرين . ( 15 ) الأنعام : 162 .