ابو القاسم عبد الكريم القشيري
25
نحو القلوب
( * * ) ( * * ) أما المحنة القاسية والفتنة التي طار شررها بين السلطان ( طغرل ) ووزيره وبين القشيري بخاصة والأشاعرة بعامة حتى شملت ( خراسان ) كلها وكثيرا من البلاد العربية ، وكان القشيري وأصحابه ضحيتها حين هجم الأوباش عليه وراحوا يجرونه في الطرقات حتى قبض عليه من قبل السلطان ، ولكن الشعب خلصه من جور السلطان بعد معارك ضارية تم النصر فيها للشعب على السلطان ووزيره ، ولكن القشيري الصامد المؤمن غادر المشرق كله في سبيل عقيدته وترك أهله وبيته وأولاده عشر سنوات كاملة يسيح في الأرض يتعبد وينحنى صلبه على أجزاء القرآن ، وسوره ، ويقرأ ، ويدرس ، ويجلس أمام مصباح نحيل خافت يؤلف ويكتب ويلتمس الهداية والفتح . وفي أثناء قيامه بشعيرة الحج التقى بأصحابه الذين فروا من ديارهم وأخرجوا منها بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، وخطب فيهم على المنبر ، وما هي إلا لحظة حتى أطرق ثم صاح « يا أهل خراسان . . بلادكم ، إن ( الكندرى ) غريمكم يقطع الآن إربا إربا ، وإني أشاهده الساعة ! يقول السبكي في طبقاته : « ضبط التاريخ فكان ذلك اليوم بعينه وتلك الساعة بعينها قد أمر السلطان بأن يقطع ( الكندرى ) إربا إربا ، وأن يرسل عضو منه إلى كل مكان » « 12 » . أقول : أما المحنة القاسية فقد صهرته في بوتقتها ، وجعلت منه رجلا صابرا محتسبا صامدا لا يلين ولا ينحرف على الرغم من قسوة النفي والتشريد ، وظلمة الطغيان والتهديد . ولهذا يقرر القشيري ضرورة السفر إن نبا بك المكان واشتد الجور ، وتعرضت العقيدة للمحنة بشرط أن يصحب السفر عن المكان سفر عن النفس « 13 » .
--> ( 12 ) طبقات الشافعية للسبكي 2 / 272 . ( 13 ) اللطائف 2 / 336 ، 5 / 9 ، 59 ، 6 / 158 .