ابو القاسم عبد الكريم القشيري

11

نحو القلوب

وتلك هي الروحانية الصادقة - وهي سمة الإسلام - التي تؤهل الإنسان لخلافة الأرض ، وتميزه عن غيره من الأدعياء . فليس التصوف كلاما لا روح فيه ، وتفيهقا لا عمل معه ، وليس شططا وخصاما ، ولا تعصبا وجدالا ، ولا خمولا وانهزاما ، ولا تواكلا وهوانا . وليس من التصوف في شئ من يرى الله من خلال هذا الكون رؤية خداع يقول ( الله ) ويقنع بها هتافا حرفيا ، ونداء ظاهريا ، لا يصل إلى روحه وكيانه ، ولكن الصوفي الصادق يقولها ، وما في الكون كلمة أحب إلى قلبه منها ، فالعبد في حنين دائم ، وشوق عريض ، يراه ( الجنيد ) بأنه عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، والحب الإلهى عند الصوفي من أكبر همومه ، وهو معرفة وتمكين وتحقيق ، والعبادة عند الصوفي ليست طقوسا ولا رسوما ، وإنما هي حب أولا وأخيرا . يقول أبو يزيد البسطامي « توهمت أنى أذكره ( أي الله ) وأعرفه ، وأحبه ، وأطلبه . فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكرى ، ومعرفته سبقت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي أولا حتى أطلبه » « 16 » . والتصوف هو اليقين الذي يضئ الحياة وما بعد الحياة ، ويرتفع بالإنسان إلى أعلى كفاحه ، وأسمى نضاله ، ليجاهد النفس ، ويقتلع جذور الشر ، وفوق هذا كله : إخبات لله ، وتعلق به ، ومحبة له . إنه حركة بعث . . . . إن أمل الصوفي أن يصبح ( الله ) في حس العالم كله واقعا محسوسا ، نعته الحب ، ونظامه الحكمة ، وبهذا يسمو الإنسان حتى تصبح أعماله وأقواله : صلاة وتسبيحا ، ويصبح الكون محرابا يلتقى فيه مع الإنسان :

--> ( 16 ) الرسالة القشيرية : 189 ( التقدم العلمية 1346 ه مصر ) .