ابو القاسم عبد الكريم القشيري
167
كتاب المعراج
وسلّم ، على الكافّة . ولقد قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : لو كان موسى حيّا ، لما وسعه إلّا اتّباعي . فالأنبياء ، عليهم السّلام ، إن كانوا نجوما ، كان هو بدرا . وإن كانوا بدورا ، كان هو شمسا . ومن ذلك : أن كل نبيّ ورسول من الأنبياء والرّسل فله مقام معلوم وحدّ محدود . ولكن لم يبلغ أحد منهم المبلغ الذي بلغه المصطفى ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم ينل أحد ما ناله . ثم أظهر فضيلته بعلوّ همّته عن جميع ما أعطاه . فإنه كان يقول ، عند كلّ ما تشهّد « التّحيّات للّه » ، يعني الملك للّه . فلم يساكن بقلبه مقاما . ولم يستكبر بسرّه إكراما . سمعت الأستاذ أبا عليّ الدّقاق ، رضي اللّه عنه ، يقول : لمّا حفظ الأدب عليه السّلام في هذه اللّيلة قال اللّه تعالى : « وَإِنَّكَ - يا محمّد - لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . طوينا « 1 » لك الدّنيا . فشاهدت مشارقها ومغاربها . ورقّيناك إلى قاب قوسين أو أدنى . فلم تساكن شيئا من الدّنيا والعقبى . فإنّك يا محمّد على همّة عظيمة » . ومن ذلك : أنّه كما عرج بجسده ، ففاق بنفسه كل مكان . حتى لم يبق بينه وبين طرف المخلوقات ، من جهة فوق ، إلّا قاب قوسين . فكذلك رقّي بسرّه عن كلّ مخلوق . حتى قال : لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل اللّه . هذا بعد أن لم ير أحدا فوق الصدّيق رضي اللّه عنه . ثم إنه لم يساكنه بسرّه . أخبرنا أبو الحسين محمّد بن الحسين بن محمّد البغدادي ، قال :
--> ( 1 ) - في الأصل « روينا » .