ابو القاسم عبد الكريم القشيري
134
كتاب المعراج
مسيرة خمسمائة عام . قال : ثم دلّي رفرف « 1 » أخضر ، يغلب ضوؤه ضوء الشّمس . ووضعت على ذلك الرّفرف . الدنو قاب قوسين فاحتملني حتى وصل بي إلى العرش . فلمّا رأيت العرش ، اتّضح أمر كلّ شيء عند العرش . فأبصرت أمرا عظيما لا تناله الألسن . ثم سألت اللّه تعالى أن يثبّتني . ثم غشي نور العرش بصري . فكنت أرى بقلبي ولا أرى ببصري . ورأيت من خلفي من بين كتفيّ كما رأيت أمامي . ورأيت من عجائب عظمته ما أنساني كل شيء . وكنت في القرب من اللّه كما قال : ( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) « 2 » . ووجدت من كرامته ما اضمحلّ به عنّي كل هول كان قبل ذلك . وتخلّت عني روعتي ، واطمأنّ قلبي ، وامتلأت فرحا ، وجعلت أتنقّض وأميل ، كما يميل القنديل ، وأتكفّأ يمينا وشمالا ، ويأخذني مثل السّبات . وظننت أن من في السّماوات والأرض قد ماتوا . فتركني إلهي ما شاء . ثم ردّ إليّ ذهني . فكأنّي كنت مسبوتا « 3 » . فأفقت ، فثاب إليّ عقلي ، واطمأننت ، وعرفت مكاني ، وما أنا فيه من الكرامة .
--> ( 1 ) - رفرف : بسط ، فراش . ( 2 ) - سورة النجم 53 / 9 . ( 3 ) - السبات من النوم شبه غشية . يقال سبت المريض فهو مسبوت أي فغشي عليه . ومنقطع عن أيّ حركة .