ابو القاسم عبد الكريم القشيري

97

الرسالة القشيرية

أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي بغدادي المولد والمنشأ . وأصله من « أسر وشنة » . صحب الجنيد ومن في عصره ، وكان شيخ وقته : حالا ، وظرفا ، وعلما « 1 » . مالكي المذهب . عاش سبعا وثمانين سنة ، ومات سنة : أربع وثلاثين وثلاثمائة . وقبره ببغداد . ولما تاب الشبلي في مجلس « خير النساج » أتى « دماوند » ، وقال : كنت وإلى بلدكم ، فاجعلوني في حل « 2 » . وكانت مجاهداته في بدايته فوق الحد . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ؛ رحمه اللّه ، يقول : بلغني أنه اكتحل بكذا . وكذا . . من الملح ؛ ليعتاد السهر ، ولا يأخذه النوم ولو لم يكن من تعظيمه للشرع إلا ما حكاه « بكران الدينوري » في آخر عمره لكان كثيرا . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : كان الشبلي ، رحمه اللّه ، يقول في آخر أيامه :

--> ( 1 ) سمع بائعا يقول : الخيار عشرة بدرهم . فصاح وقال : فكيف الشرار . ومن حكمه : ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق ، وقال : إن أردت أن تنظر إلى الدنيا فانظر إلى نفسك ، فخذ كفا من تراب فإنك منه خلقت وفيه تعود . وسأله رجل : أي الصبر أشد ؟ قال : الصبر في اللّه : قال : لا قال الصبر مع اللّه ، قال : لا . قال : الصبر اللّه . قال : لا ، قال : فأي شئ . قال : الصبر عن اللّه . فصرخ الشبل وأنشد : الصبر يجمل في المواطن كلها * إلا عليك فإنه لا يجمل قال : ليس من استأنس بالذكر كمن استأنس بالمذكور ، وأنشد في الذكر : ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة * وأيسر ما في الذكر ذكر لساني وكدت بلا وجد أموت من الهوى * وهام على القلب بالخفقان فلما أراني الوجد أنك حاضري * شهدتك موجودا بكل مكان فخاطبت موجودا بغير تكلم * ولاحظت معلوما بغير عيان وقال : ليس من جذبته أنوار مقدسة إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته . ( 2 ) لأنه بالتوبة تنقل من حقوق الخالق وبقي عليه حقوق المخلوقين ، فالخروج من حقوق الآدميين معتبر في تحقق التوبة . . وبذلك كانت توبته خالصة كاملة . .