ابو القاسم عبد الكريم القشيري
478
الرسالة القشيرية
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت عبد الواحد بن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني . . فكان إذا سمع شيئا يتغير ويضبط نفسه ، حق كان يقطر كل شعرة من بدنه بقطرة « 1 » ، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه . سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج قال : قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد ، فلما دخلت « الري » سألت عن منزله ، فكل من أسأل عنه يقول لي : ما تفعل بذلك الزنديق ؟ . فضيقوا صدري ، حتى عزمت على الانصراف ، فبت تلك الليلة في مسجد ، ثم قلت : جئت هذه البلدة ، فلا أقل من زيارته ؛ فلم أزل أسأل عنه حتى وقعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب ، وبين يديه رحل ، وعليه مصحف يقرأ فيه ، وإذا هو شيخ بهى ، حسن الوجه واللحية ، فدنوت منه وسلمت عليه ، فرد السلام وقال : من أين ؟ فقلت : من بغداد ، قصدت زيارة الشيخ . فقال : لو أن في بعض البلدان قال لك إنسان : أقم عندي حتى أشترى لك دارا أو جارية أكان يمنعك عن زيارتي ؟ فقلت يا سيدي ، ما أمتحننى اللّه تعالى بشئ من ذلك . . ولو كان لا أدرى كيف كنت أكون ؟ فقال : تحسن أن تقول شيئا ؟ فقلت : نعم ، وقلت : رأيتك تبنى دائبا في قطيعتى * ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنى فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكى حتى ابتلت لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ؛ ثم قال لي : يا بنى : لا تلم أهل « الري » على قولهم « يوسف بن الحسين زنديق » ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن فلم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت على القيامة بهذا البيت « 2 » .
--> ( 1 ) وفي نسخة قطرة أي قطرة ماء مما يقاسيه في الكتم من الشدة . ( 2 ) أي تغير حاله بسبب سماعه بيت الشعر .