ابو القاسم عبد الكريم القشيري
368
الرسالة القشيرية
باب الغيرة قال اللّه تعالى : « قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ » « 1 » . أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكى قال : أخبرنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزاز ببغداد قال : حدثنا محمد بن غالب بن حرب قال : حدثنا عبد اللّه ابن مسلم ، قال : حدثنا محمد بن الفرات ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أخذ أغير من اللّه تعالى ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » « 2 » . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال : حدثنا علي بن الحسن بن بنان قال : حدثنا عبد اللّه بن رجاء قال : أخبرنا حرب بن شداد قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة : أن أبا هريرة رضى اللّه عنه ، حدثهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يغار ، وإن المؤمن يغار ، وغيرة اللّه تعالى : أن يأتي العبد المؤمن ما حرم اللّه عليه » « 3 » . والغيرة : كراهية مشاركة الغير ، وإذا وصف اللّه سبحانه بالغيرة ، فمعناه : أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له تعالى من طاعة عبده له . حكى عن السرى السقطي : أنه قرئ بين يديه : « وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً » . « 4 » فقال السرى لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ . هذا حجاب الغيرة ، ولا أحد أغير من اللّه تعالى . ومعنى قوله : « هذا حجاب الغيرة » يعنى : أنه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق ، رحمه اللّه : يقول : إن أصحاب الكسل عن عبادته تعالى هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الحذلان « 5 » ، فاختار لهم البعد عنه ، وأخرهم عن محل القرب ؛ ولذلك تأخروا .
--> ( 1 ) آية 23 من سورة الأعراف . ( 2 ) وروى بنحوه عن عائشة فيما أخرجه البخاري : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ما أحد أغير من اللّه أن يرى عبده أو أمته تزني ، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » . ( 3 ) والمراد بالغيرة هنا عدم الرضا والحديث أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما ، والترمذي وقال حديث صحيح . ( 4 ) آية 45 من سورة الإسراء . ( 5 ) والمعنى كما قاله الإمام العروسى يعنى ربط أقدامهم بمقثلات الخذلان عن العبادة بحيث يتمنونها ولا يجدون عليها عونا .