ابو القاسم عبد الكريم القشيري

343

الرسالة القشيرية

باب الفراسة قال اللّه تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » . « 1 » قيل : للمتفرسين . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه تعالى ، قال : أخبرنا أحمد ابن علي بن الحسين الرازي قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن السكن قال : حدثنا موسى بن داود قال : حدثنا محمد بن كثير الكوفي قال : حدثنا عمرو بن قيس . عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور اللّه عز وجل » « 2 » . والفراسة : خاطر على القلب فينفى ما يضاده . وله على القلب حكم اشتقاقا من : فريسة السبع ، وليس في مقابلة الفراسة مجوزات « 3 » للنفس . وهي على حسب قوة الإيمان : فكل من كان أقوى إيمانا كان أحد فراسة . وقال أبو سعيد الخراز : من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق ، وتكون مواد علمه من الحق بلا سهو ولا غفلة ، بل حكم حق جرى على لسان عبد . وقوله : « نظر بنور الحق » يعنى : بنور خصه به الحق سبحانه . وقال الواسطي : إن الفراسة : سواطع أنوار لمعت في القلوب ، وتمكين معرفة حملت السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب ، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق ، سبحانه ، إياها ؛ فيتكلم على ضمير الخلق . ويحكى عن أبي الحسن الديلمي أنه قال : دخلت ( أنطاكية ) لأجل ( أسود ) قيل لي : إنه يتكلم على الأسرار . فأقمت فيها إلى أن خرج من جبل ( لكام ) « 4 » ومعه شئ من المباح يبيعه ، وكنت جائعا منذ يومين لم آكل شيئا فقلت له : بكم هذا ؟ وأوهمته أنى أشترى ما بين يديه فقال : أقعد ثم ؛ حتى إذا بعناه نعطيك ما تشترى به شيئا . . فتركته وسرت إلى غيره ؛ أوهمه أنى أساومه . ثم رجعت إليه ، وقلت له : إن كنت تبيع هذا فقل لي بكم ؟ فقال : إنما جعت يومين ، أقعد ثم ، حتى إذا بعناه نعطيك ما تشترى به شيئا . . فقعدت . . فلما باعه أعطاني شيئا ومشى ، فتبعته . .

--> ( 1 ) آية 75 من سورة الحجر . ( 2 ) أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي عن أبي سعيد الحكيم وسموية والطبراني في المعجم الكبير ، وابن عدي في الكامل عن أبي أمامة وابن جرير عن ابن عمر . ( 3 ) أي : احتمالات . ( 4 ) جبل بالشام .