ابو القاسم عبد الكريم القشيري
276
الرسالة القشيرية
قال الأستاذ : حقيقة الشكر عند أهل التحقيق : الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وعلى هذا القول : يوصف الحق ، سبحانه ، بأنه : شكور ، توسعا « 1 » ، ومعناه : أنه يجازى العباد على الشكر ، فسمى جزاء الشكر شكرا ؛ كما قال تعالى : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » « 2 » . وقيل : شكره تعالى : إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل اليسير ؛ من قولهم : دابة شكور : إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف . ويحتمل أن يقال . حقيقة الشكر : الثناء على المحسن بذكر إحسانه فشكر العبد للّه تعالى : ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق ، سبحانه ، للعبد : ثناؤه عليه بذكر إحسانه « 3 » له ، ثم إن إحسان العبد : طاعته للّه تعالى ، وإحسان الحق : إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له ، وشكر العبد على الحقيقة ، إنما هو : نطق اللسان ، وإقرار القلب بانعام الرب . والشكر ينقسم إلى : شكر باللسان : وهو اعترافه بالنعم بنعت الاستكانة . وشكر بالبدن والأركان : وهو اتصاف بالوفاء والخدمة . وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة . ويقال : شكر هو شكر العالمين ، يكون من جملة أقوالهم . وشكر : هو نعت العابدين ، يكون نوعا من أفعالهم وشكر : هو شكر العارفين ، يكون باستقامتهم له في عموم أحوالهم . وقال أبو بكر الوراق : شكر النعمة : مشاهدة « 4 » المنة ، وحفظ الحرمة « 5 » . قال حمدون القصار شكر النعمة : أن ترى نفسك فيه طفيليا . وقال الجنيد : الشكر فيه علة ، لأنه « 6 » طالب لنفسه المزيد ، فهو واقف مع اللّه سبحانه ، على حظ نفسه .
--> ( 1 ) وفي نسخة « فوصف الحق بأنه شكور توسع » . ( 2 ) آية 40 من سورة الشورى . ( 3 ) طاعته . ( 4 ) أي معرفتها . ( 5 ) أي معرفة قدرها . ( 6 ) أي الشاكر .