علي الهجويري

74

كشف المحجوب

وهناك سبب آخر وهو أن اللباس الأزرق شعار الحزانى المكلومين ، وهذا العالم مكان المتاعب ، ومأوى الأسى ، ومنزل الفراق ، ومهد الأحزان ، وعندما يرى المريد أن ليس في الإمكان تحقيق أمل قلبه في هذا العالم ، يقوم بارتداء الملابس الزرقاء ، ويجلس في حداد الوصال مع أمله . ويرى الآخرون في أعمال العبادة أنها ناقصة ، وأن القلب لا يقبع فيه إلا الشر ، وأن الحياة ليس فيها إلا الفوت ، ولهذا يرتدون الأزرق ، لأن الفوت أشد من الموت « 1 » . فهناك من يرتدى الأزرق عند موت عزيز وهناك من يرتديه عند فوت أمل محبب إلى القلب . سئل درويش : لم يرتدى الأزرق ؟ فأجاب قائلا : « ترك الرسول ثلاثة أشياء الفقر والمعرفة والسيف . فالسيف أخذه الملوك وأساءوا استعماله ، والمعرفة اختارها العلماء وقنعوا بمجرد تعلمها ، والفقر اختاره الدراويش وجعلوه وسيلة للإثراء ، وأنى ألبس الأزرق حدادا على ما أصاب هؤلاء الثلاثة من مصيبة . وكان المرتعش يسير يوما في أحد أحياء بغداد وشعر بالظمإ ، فاتجه إلى أحد المنازل ، وسأل أصحابه جرعة ، فجاءت إليه ابنة صاحب البيت ببعض الماء في وعاء ، فأخذ المرتعش بجمالها ، ولم يرد أن يغادر المكان حتى جاءه صاحب البيت ، فقال له المرتعش : يا سيدي ! . حلت مصيبة في شربة ماء . لقد جاءت إلى ابنتك بجرعة ماء ، ولكنها سلبتنى قلبي : فأجابه صاحب البيت . هي ابنتي وإني أعطيها زوجة لك . فدخل المرتعش البيت ، وتم العقد . وكان أبو الفتاة رجلا ثريا ، فأرسل بالمرتعش إلى الحمام ، حيث خلع عنه عباءته المرقعة ، وارتدى لباسا طيبا ، وفي المساء نهض ليقوم بصلاته وعبادته ، ولكنه سرعان ما صاح قائلا : إلى بعباءتى المرقعة ، فسألوه : وما ذا يضيرك ؟ فأجاب : سمعت

--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 112 .