علي الهجويري

75

كشف المحجوب

صوتا يقول في أعماقى : بسبب نظرة عاصية نزعنا عنك المرقع وهو رداء التقوى ، فإذا نظرت مرة ثانية نزعنا رداء القرب من قلبك . فاللباس الذي يكون ارتداؤه سببا في القرب من اللّه ، ويرتديه أولياء اللّه تعالى على التوفيق لا ينبغي أن تزاول الحياة مع عدم القيام بحقه فالخيانة لا تليق برداء الأولياء وذلك بأن تكون مسلما على التحقيق دون ادعاء أفضل من أن تكون وليا كذابا . وليس أهل لارتداء المرقع إلا نوعين من الرجال : من ترك الدنيا ، ومن اشتاق إلى المولى . ويتبع شيوخ التصوف هذه القاعدة عندما ينضم سالك جديد إليهم بغية ترك الدنيا ، فيخضعونه لنظام روحي ثلاث سنوات ، فإذا وفي متطلبات هذا النظام فخير ، وإلا أعلنوا أنه غير أهل للطريق ، وهم يخصصون أول سنة لخدمة الناس ، والسنة الثانية لخدمة اللّه ، والسنة الثالثة لمراعاة تقلبات قلبه . وهو لا يخدم الناس إلا إذا وضع نفسه موضع الخدم ، ووضع كافة الناس موضع السادة . بمعنى أنه يجب أن يعتبر كافة الناس أفضل منه ، وأن واجبه خدمتهم جميعا على سواء . ويجب ألا يعتبر نفسه أعلى شأنا ممن يخدمهم ، ففي هذا الخسران المبين والخداع الواضح ، والغبن الفاحش ، وهو سبب من أسباب الضياع ، الذي لا دواء له في هذا العصر . ولا يمكنه أن يخدم ربه إلا حين ينزع عنه كافة رغباته بالنسبة لهذه الدنيا والآخرة ، ولا يعبد اللّه إلا للّه سبحانه وحده ، إذ أن من يعبد لأي غرض يعبد نفسه ولا يعبد اللّه . ولا يمكن أن يراعى تقلبات قلبه إلا عندما يجمع أفكاره ، وينزع همومه من قلبه ، فيحيى قلبه من الغفلة عند حضرة الأنس . وعندما يحقق المريد هذه المطالب الثلاثة يمكنه أن يلبس المرقع ، ويصبح