علي الهجويري
56
كشف المحجوب
والمتشبه صاحب فضول . ومن كان نصيبه الوصول يفقد كل غاية وغرض ، بحصوله على غايته وغرضه . ومن كان نصيبه الأصول يتمسك بأحوال الطريق ، ويخلص في التعرف على أسرارها ، ولكن من كان نصيبه الفضول يبقى صفر اليدين من كل ما يستحق الحصول عليه ، ويبقى عند باب الرسم ، ولهذا فهو محجوب عن المعاني ، ويجعله هذا الحجاب محجوبا عن الوصول والأصول ، وقد أعطى مشايخ الطريق تعريفات دقيقة للصوفية لا يمكن إحصاؤها ، ولكن سنذكرها هنا أو بعضها حتى تتم الفائدة إن شاء اللّه . فصل : [ جوهر التصوف ] يقول ذو النون المصري : « الصوفي من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق » « 1 » أي عبرت جوارحه عن قطعه لكل ما هو دنيوي : إن كل ما يقوله الصوفي قائم على الحقيقة ، وكل ما يفعله قائم على التجريد ، إذا قال فقوله حقيقة ، وإذا سكت فأعماله جميعا فقر . ويقول الجنيد : « التصوف نعت أقيم العبد فيه . قيل نعت للعبد ؟ أم نعت للحق ؟ . فقال : نعت للحق حقيقة ، ونعت للعبد رسما » « 2 » بمعنى أن جوهر التصوف يقتضى فناء الصفات البشرية ، ويتأتى هذا عن بقاء الصفات الإلهية ، وهي من صفات اللّه . أما مظهره فيقتضى من الإنسان دوام المجاهدة ، ودوام المجاهدة من الصفات الإنسانية على الإطلاق . إذ أن الصفات الإنسانية غير ثابتة ، فهي ليست إلا رسما لا دوام له إذ أن الفاعل هو اللّه ، ولهذا فهي في الحقيقة من عمل اللّه ، ولهذا نجد أن اللّه يأمر عبده بالصيام ، ويطلق عليه لقب صائم ، والصوم من الناحية الاسمية خاص بالإنسان ، ولكنه في حقيقته خاص باللّه قال في الحديث القدسي : « الصوم لي وأنا أجزى به » « 3 » لأن كل
--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 19 . ( 2 ) المرجع السابق ص 19 . ( 3 ) رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة .