علي الهجويري

57

كشف المحجوب

أفعال لأن كل أفعال اللّه له ، وإذا نسب الناس الصفات لهم ، فإنما هذا من الناحية الشكلية المجازية ، لا من الناحية الحقيقية . ويقول أبو الحسين النوري : « التصوف ترك كل حظ للنفس » . وهذا الترك نوعان : ظاهري وحقيقي . مثال ذلك ، أنه إذا ترك الإنسان الحظ ووجد الحظ في الترك ، فهو أيضا حظ ، وهذا ظاهري ، ولكن إذا تركه الحظ بتة فهذا فناء الحظ . وأصبح ذلك من قبيل المشاهدة ، وعليه فإن ترك الحظ من عمل الانسان ، ولكن فناء الحظ من عمل اللّه ، فعمل الإنسان ظاهري ، وعمل اللّه حقيقي . إن قول النوري يوضح ما سبق أن ذكرناه عن الجنيد . ويقول أبو الحسين النوري أيضا : « الصوفية هم الذين صفت أرواحهم فصاروا في الصف الأول بين يدي اللّه » . أي صفت أرواحهم عن كدر البشرية ، وصفيت من آفات النفس ، وتخلصت من الهوى ، حتى سكنت الصف الأول إلى اللّه ، وهربت ممن سواه . ويقول كذلك : « الصوفي الذي لا يملك ولا يملك » ومعنى هذا حقيقة الفناء ، إذ أن من فنيت صفاته لا يملك ولا يملك ، ونقصد بالملكية هنا ملكية الأشياء الفانية وحدها ، والمعنى أن الصوفي لا يمتلك لنفسه أي عرض من أعراض هذه الدنيا أو أي جاه في العالم الآخر إذ أنه لا يملك حتى نفسه . أنه لا يرغب في التسلط على الغير ، حتى لا يرغب الغير في التسلط عليه ، وهذا قول لطيف ويشير هذا القول إلى سر من أسرار الصوفية ، يسمونه « الفناء الكلى » وسوف نذكر إن شاء اللّه في هذا الكتاب المواضع التي أخطئوا وفيها حتى يصير ذلك معلوما لديك . ويقول ابن الجلاء : « التصوف حقيقة لا رسم له » . إذ أن الرسم خاص بالإنسان في معاملاته ، أما الحقيقة فهي خاصة باللّه ، وبما أن الصوفية هي