علي الهجويري

53

كشف المحجوب

اللّه ، ولا يفتحون عيونهم ليروا أحدا من البشر واضعين في اعتبارهم أن « من نظر إلى الخلق هلك ومن رجع إلى الحق سلك » وقد برهن أبو بكر أن يده قد نفضت من هذه الدنيا الخادعة ، فقد تبرع بماله كله ومواليه ، وارتدى رداء من الصوف ، ثم جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسأله : « وما خلفت لعيالك ؟ » فأجابه أبو بكر : تركت لهم اللّه ورسوله . أي تركت لهم خزينتين لا تنفذان وكنزين لا ينتهيان ، أي محبة اللّه تعالى ، ومتابعة رسوله . وانكارهما من قبيل انكار العيان . لقد قلت إن « الصفاء » عكس للكدر ، والكدر من صفات الإنسان . ولهذا فإن الوفي الحقيقي هو من يترك الكدر وراء ظهره ، وهكذا فقد سيطرت البشرية على نساء مصر ، عندما نظرن معجبات إلى جمال يوسف عليه السّلام . ولكن نظرتهن تغيرت حين رأينه بعد فناء بشريتهن فقلن ما هذا بَشَراً « 1 » . ولذلك فإن شيوخ الصوفية رضى اللّه عنهم يقولون : « ليس الصفاء من صفات البشر ، لأن البشر مدر ، والمدر لا يخلو من الكدر » ولهذا فالصفاء غير مرتبط بالأفعال ، ويمكن القضاء على الطبيعة البشرية بالمجاهدة ، وليست صفة الصفاء مرتبطة بالأعمال والأحوال ، ولا اسمه متعلق بالأسماء والألقاب ، بل الصفاء سمة الأحباب ، وهم شموس بلا سحاب ، ذلك لأن الصفاء صفة المحبين ، والمحب الفاني في صفاته ، والباقي في صفات محبوبه ، وحالاته في نظر أرباب الحال أشبه بالشمس الساطعة . لقد سئل حبيب اللّه محمد المختار عن حال حارثة فأجاب : « عبد نور اللّه قلبه بالإيمان » أي أنه عبد أنار اللّه قلبه بنور الإيمان فأضاء وجهه كالقمر من النور الإلهى . وكذلك قال الصوفية : « ضياء الشمس والقمر ، إذا اشتركا ، نموذج من صفاء الحب والتوحيد إذا اشتبكا » . وليس من شك أن ضياء الشمس والقمر لا

--> ( 1 ) سورة يوسف : آية 31 .