علي الهجويري
54
كشف المحجوب
قيمة لها بجانب ضوء المحبة والاتحاد مع اللّه تعالى ، ولا تصح المقارنة بينهما ولكن ليس في هذا العالم من الضوء ما يزيد على هذين الضوءين ، وليس في وسع العين أن ترى ضوء الشمس والقمر في تمامهما ، وهي ترى السماء أثناء إشراق الشمس والقمر ، أما القلب فإنه يرى العرض بضوء المعرفة والوصول والمحبة ، وهو يكتشف العالم الآخر رغم وجوده في هذا العالم . ويتفق كل شيوخ الطريقة ، رحمهم اللّه ، أنه عندما يتحرر الإنسان من قيود المقامات ، ويتخلص من كدورات الأحوال ، ويرتفع عن مكان التلون والتغير ، ويتصف بالصفات الحميدة كلها ، عندئذ ينفصل عن كافة هذه الصفات ، بمعنى أنه لا يصبح أسيرا لأي صفة حميدة من صفاته ، وأيامه منزهة عن خطرات الظنون فلا يهتم بها ، ولا يزداد غروره بوجودها ، ويصبح حاله بعيدا عن متناول الفكر ، ويصبح حضوره مع اللّه بلا ذهاب ، ووجوده بلا أسباب . فيكون حاضرا بلا غيبة واحدا بلا سبب ، ذلك أن الغيبة حينما تحل به لا يكون حاضرا . وعلة وجده ألا يكون واجدا ، لأن الصفاء حضور بلا ذهاب ، ووجود بلا أسباب . وعندما يصل إلى هذه الدرجة يصبح فانيا عن الدنيا والعقبى ، ويصبح ربانيا في درع الإنسانية ، ويصبح الذهب والمدر سواء في نظره ، وتشهل عليه تلك العبادات ، التي يرى الآخرون من الصعب عليهم مزاولتها . جاء حارثة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له الرسول : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ . قال : أصبحت مؤمنا حقا . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : انظر ما تقول يا حارثة ، إن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك . فقال : عرفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وفضتها ومدرها ، فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى ، وصرت كأني انظر إلى عرش ربى بارزا ، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني انظر إلى أهل النار يتصارعون فيها ، وفي رواية أخرى : يتغامزون فيها . قال : عرفت فالزم » قالها ثلاثا « 1 » .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 158 .