علي الهجويري
45
كشف المحجوب
ومن هنا فالأغنياء أصحاب صدقة ، والفقراء أصحاب صدق ، ولا يتساوى الصدق مع الصدقة أبدا . وأن ثروة سليمان وفقره متحدان في أساسهما فقد قال اللّه لأيوب في منتهى صبره ، ولسليمان في أوج ثراته نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ « 1 » . فعندما يتحقق رضى اللّه يستوى فقر سليمان وغناه . يقول المؤلف : سمعت أبا القاسم القشيري رحمه اللّه يقول تحدث الناس كثيرا عن الفقر والغنى ، فضلوا هذا أو ذاك ، ولكني أختار لنفسي ما يختاره اللّه لي ويجعلني فيه . وإذا أرادني فقيرا فيجب ألا أكون حريصا أو متمردا . ولهذا فإن كلا من الغنى والفقر منحة إلهية ، وفساد الغنى هو الغفلة ، وفساد الفقر هو الحرص . والغنى والفقر كلاهما خير ، ولكنهما يختلفان في التطبيق . فالفقر هو انفصال القلب عما سوى اللّه ، والغنى هو انشغال القلب بما لا يمكن تحديده ووصفه . وعندما يخلو القلب من كل ما عدا اللّه ، لا يصبح الفقر خيرا من الغنى ، ولا الغنى خيرا من الفقر . إن الغنى هو وفرة المتاع الدنيوي ، والفقر نقصانه وكل المتاع ملك للّه فعندما يودع السالك متاعه يختفى هذا التناقض وتستوى العبارتان . فصل : [ في مدلول الفقر لدى شيوخ الصوفية ] ولكل شيخ من شيوخ الصوفية رمز في مدلول الفقر . وسأذكر هنا بعض ما قالوه مما يتسع له هذا الكتاب . يقول أحد المحدثين من الصوفية « ليس الفقير من خلا من الزاد إنما الفقير من خلا من المراد » . مثال ذلك ، أنه إذا أعطاه اللّه مالا وأراد أن يبقيه فهو غنى ، وإذا أراد أن يتركه فهو لا يقل غنى ، فكلاهما تصرف في الملك والفقر هو ترك التصرف .
--> ( 1 ) سورة ص : آية 30 .