علي الهجويري
46
كشف المحجوب
يقول يحيى بن معاذ الرازي : « علامة الفقر خوف زوال الفقر » « 1 » يعنى أن من صحة الفقر الحقيقي ألا يخشى الإنسان ذهاب الفقر عنه ، حتى وهو في كمال الولاية ، وقيام المشاهدة ، وفناء الصفة . إذن فكماله ألا يخاف من زواله ، ويقول رويم : « من نعت الفقير حفظ سره وصيانة نفسه وأداء فرائضه » « 2 » يعنى أن من صفات الفقير أن يكون سره مصونا عن الفرض ، وروحه وجسده من الآفات ، وأن يقوم بأداء ما فرضه دينه من واجبات . بمعنى ألا يحول تفكيره دون عمله أو العكس وهذه علامة على أنه قد ألقى عنه صفاته البشرية ، فيصير العبد بأجمعه للّه . يقول بشر الحافي : « أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر » « 3 » أي أن خير مقام هو أن تكون لك عقيدة ثابتة في أن تتحمل الفقر باستمرار . والفقر هو محو كل المقامات ، ولهذا فإن التصميم على تحمل الفقر علامة على اعتبارك كافة الأعمال والتصرفات غير كاملة ، ونزوعك إلى القضاء على كافة الصفات البشرية ويتضح من هذا القول أنه يعتبر الفقر أعلى مكانة من الغنى ، وأنه يصر على عدم التخلي عنه . ويقول الشلبى : « الفقير لا يستغنى بشيء دون اللّه » « 4 » أي أن الرجل الفقير لا يقنع بشيء خلاف اللّه ، إذ ليس له هدف آخر . والمعنى الحرفي هو أنك لا تصبح غنيا إلا باللّه ، وأنك حين تصل إلى اللّه تصبح غنيا . وعليه فإن وجودك غير وجود اللّه ، ذلك أنه لا يمكنك أن تحصل على الغنى بدونه ، وحينما تجده يصير حجابا للغنى ، وحينما تحيد عن الطريق لا تجده . فمتى تكون غنيا ؟ هذه الحكمة دقيقة غامضة ، ومعناها في رأى أهل
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ص 161 . ( 2 ) المرجع السابق ص 160 . ( 3 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 47 . ( 4 ) المرجع السابق ص 162 .