علي الهجويري
438
كشف المحجوب
باب في سماع القرآن أعلم أن أجلى سماع للقلب وأحلى سماع للأذن هو كلمه الله تعالى التي أمر أن يسمعها المؤمنون والمشركون والإنس والجن على السواء وإنه لمن أكبر معجزات للقرآن أن الطبع لا ينفر من سماعه وقراءته لأن فيه رقة عظيمة حتى أن كفار قريش كانوا يأتون ليلا سرا ليستمعوا إلى تلاوة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في صلاته ويعجبون بها فمنهم النضر بن الحارث الذي كان أفصحهم وعتبة بن ربيعة الساحر بكلامه وأبو جهل بن هشام صاحب البلاغة المدهشة . ولقد غاب عن وعيه عتبة ذات مرة عندما سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يرتل آية من القرآن وقال لأبى جهل إني متأكد أن هذا ليس بكلام بشر وقد أرسل الله الجن إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حتى أتو أفواجا واستمعوا إلى القرآن وقالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً « 1 » . فعظاته أفضل من كل العظات وألفاظه أوجز من كل الألفاظ ، وأمره ألطف من كل الأوامر ونهيه أزجر من كل النواهي ووعده أكثر جذبا للفلب من كل والوعود وعيده أكثر إذابة للروح من كل وعيد ، وقصصه أجزل من كل القصص وأمثاله أفصح من كل مثل ، يجذب سماعة آلاف القلوب إلى شراك محبته ، وتساب لطائفه آلاف الأرواح ، يذل أعزاء الدنيا ، ويعز أذلاءها ، سمع عمر بن الخطاب أن أخته وزوجها قد أسلما فذهب إليهما وقد سل سيفه وأضمر نية قتلهما وقد انمحى حبهما من قلبه حتى أرسل الله تعالى جندا من اللطف كمنت له بين زوايا سورة طه ، حتى بلغ بيتهما وكانت أخته تتلو الآية الكريمة طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى « 2 » فسقطت روحه في شرك دقائقها وأسر قلبه بلطفها ، فسلك طريق السلام . وخلع رداء الحرب وجاء من الخلاف إلى الوفاق ، ومعروف أنهم حينما كانوا
--> ( 1 ) سورة الجن آية 1 ، 2 . ( 2 ) سورة طه آية ( 1 - 3 ) .