علي الهجويري
423
كشف المحجوب
المسامرة والمحادثة والفرق بينهما هذان التعبيران يدلان على حالة الصوفي الكامل . فالمحادثة هي في الحقيقة كلام روحاني مقترن بصمت اللسان ، والمسامرة هي في الحقيقة دوام الانبساط مع كتمان السر ، فظاهر معنى المسامرة أنها حال وقتي بين العبد وربه ليلا ، والمحادثة هي حالة مشابهة لها نهارا ، وتتكون من كلام ظاهري وباطني ، وعلى ذلك فالمناجاة بالليل تسمى مسامرة والدعاء نهارا يسمى محادثة ، فالحالة النهارية مبنية على الكشف ، والحالة الليلية مؤسسة على الستر ، والمسامرة في عرف المحبة أكمل من المحادثة إلا أن لها صلة بحال النبي صلّى اللّه عليه وسلم حيث أرسل له جبريل مع البراق للإسراء به من مكة إلى قاب قوسين من حضرته العلية . ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يناجى ربه سرا ، فلما وصل إلى مقصوده سكت لسانه أمام مكاشفته بجلال الله تعالى ، وصار قلبه في حيرة بكبريائه سبحانه وتعالى ، فقال : « اللهم إني لا أحصى ثناء عليك » والمحادثة في الجهة الأخرى مقترنة بحال سيدنا موسى عليه السلام عندما أراد أن يناجى ربه بعد وعد الأربعين يوما فذهب إلى طور سيناء وسمع كلام الحق سبحانه فطلب رؤيته فلم ينلها فعجز عن المطلوب وغاب عن وعيه ، فلما أفاق قال تُبْتُ إِلَيْكَ « 1 » حتى يظهر الفرق بين من جاء فيه قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا « 2 » ومن جاء فيه قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا « 3 » . والليل هو الوقت الذي يخلو المحبوب فيه بمحبوبه والنهار هو الوقت الذي يقف فيه العبيد أمام سادتهم فإذا أخطأ الخادم وبخ أما العاشق فلا حكم عليه ولا يلام إذا أخطأ لأن الحبيب لا يحب أن يكدر صفو محبوبه فكل ما يفعله المحب يكون مقبولا لدى الحبيب .
--> ( 1 ) سورة الأعراف آية 143 . ( 3 ) سورة الأعراف آية 143 . ( 2 ) سورة الأسراء آية 1 .