علي الهجويري

410

كشف المحجوب

هذه المشاغل من القلب ولذلك فإن سيدنا يعقوب عليه السلام كان صاحب وقت وذلك لأنه فقد بصره بالفرق حتى رد إليه بالوصل فهو حينا من الغم كالشعرة وحينا من النواح كالغصن وحينا من الروح وحينا من السرور كالسرور أما سيدنا إبراهيم عليه السلام فإنه كان صاحب حال حيث أنه لم يشعر بالفرق حتى يحزن ولا بالجمع حتى يفرح ومشاهده في الشمس والقمر والنجوم والليل على حاله لأنه في في حال نظره إليها كان محفوظا عن الاشتغال بها ، وحيثما توجه رأى ربه فيقول لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ « 1 » . لذلك فالدنيا في بعض الأحوال تكون كالنار لصاحب الوقت لأنه يشعر بالغيبة ويتألم قلبه بفقد محبوبه وفي بعض الأحوال يكون قلبه كالجنة بنعمة المشاهدة ، بيد أن صاحب الحال لا يميز بين حجابه بالبلوى ولا كشفه بالنعمى لأنه دائما في مقام العيان ، فالحال صفة المراد والوقت مقام المريد ، فالآخر مع نفسه في صفاء وقته والأول مع ربه في صفاء حاله فشتان بين المنزلتين . المقام والتمكين والفرق بينهما المقام هو إقامة الطالب على أداء حقوق المطلوب بشدة اجتهاد وصحة نية فكل من طلب الحق سبحانه وتعالى له مقام ، وهو السبب لأهل البداية الذي به طالب ربه ، ومع أن الطالب يستفيد بعض الفائدة من كل مقام يمر عليه فإنه يسكن إلى مقام مخصوص في النهاية لأن المقام والبحث عنه يشكل التركيب والرسم لا الأخلاق والمعاملة ، وقد قال تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 2 » . فمقام سيدنا آدم عليه السّلام التوبة ، ومقام سيدنا نوح عليه السّلام الزهد ومقام سيدنا إبراهيم عليه السّلام التسليم ، ومقام سيدنا موسى عليه السّلام الإنابة ، ومقام سيدنا داود عليه السّلام الحزن ، ومقام سيدنا عيسى عليه السّلام الرجاء ، ومقام سيدنا يحيى عليه السّلام الخوف ، ومقام رسولنا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 76 . ( 2 ) سورة الصافات آية 164 .