علي الهجويري
411
كشف المحجوب
الذكر وقد أخذ كل منهم بعض الشيء من المقامات الأخرى لكن كل واحد منهم رجع في النهاية إلى أصل مقامه وفي بيان مذهب الحارثية أشرت في عبارتى إلى المقامات وبينت الفرق بين الحال والمقام وهنا يلزمنا أيضا أن نبين بعض الشيء في هذا الموضوع . اعلم أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى على ثلاثة أنواع مقام وحال وتمكين ، فقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسلا لبيان السبيل وتمييز أصول المقامات المختلفة ، وقد أتى الرسل بمائة وأربعة وعشرين مقاما أو فوق ذلك العدد ، ولما أتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم تجمل بالحال لكل صاحب مقام حتى بلغ به درجة يعجز الإنسان عن نيلها بحوله فكمل الدين بذلك في أهله حيث قال سبحانه وتعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي « 1 » فظهر تمكين المتمكن وإني لو أردت أن أبين كل حال وأوضح كل مقام لتجاوزت المقصود بهذا الكتاب . والتمكين يدل على مقام السالك الروحاني في أفق الكمال وأعلى الدرجات فمن كانوا في مقاماتهم أمكنهم الانتقال من مقام إلى آخر لكن صاحب التمكين يستحيل عليه أن ينتقل منه إلى درجة أعلى لأن المقام هو رتبة أهل البداية أما التمكين فهو سكن أهل النهاية والمقامات علامات في الطريق أما التمكين في السكون في الحضرة فأحباب الله تعالى غائبون عن أنفسهم على الطريق ، وغرباء عن أنفسهم في المقامات فقلوبهم حاضرة مع الله تعالى وكل عدة في الحضور تعد شرا وكل وسيلة علامة على الغيبة عنه سبحانه ومرض في النفس . وكان الشعراء قبل الإسلام يمدحون الناس بأعمالهم الكريمة إلا أنهم لا يلقون مدائحهم إلا بعد مضى زمن وكان الشاعر إذا أتى إلى مجلس ممدوح
--> ( 1 ) سورة المائدة : 3 .