علي الهجويري
408
كشف المحجوب
لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » أي أن العوالم الثمانية عشر ألفا لا تخطر لي على بال ولا تساوى مثقال ذرة في نظري ، ولذلك فإنه في ليلة المعراج عرض عليه ملكوت الأرض والسماء بكل أنواع الجمال فلم يلتفت إليها وذلك مصداقا لقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى « 1 » لأن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم عزيز والعزيز لا يهتم إلا بالعزيز . والأوقات لا تخرج عن وقتين : أحدهما في حالة الفقد ، والآخر في حالة الوجد ، الأولى ف في مقام الوصال والأخرى في مقام الفرق وفي كلا الوقتين هو مقهور لأن وصله في الوصل بالله تعالى وفرقه فرق عن الله تعالى ، ولإثبات اكتسابه بينهما حتى يستطيع أن يصفها وحينما تغل يد العبد عن أوقاته فكل ما يفعله أو يراه فبالحق . يروى عن الجنيد أنه قال : « رأيت درويشا في البادية قد جلس في ظل بعض أشواك الحسك في مكان فقر شديد الوعورة قلت له : يا أخي ما الذي أجلسك هنا ؟ قال أعلم أنه كان لي وقت ضاع منى هنا فجلست في هذا المكان اعض بنان الندم عليه ، قلت : منذ متى قال مضت اثنتا عشرة سنة وهمتي في العمل لعلنى أصل إلى مرادي واسترد وقتي ، فذهبت وحججت ودعوت له ووجد بغيته . وعند عودتى من الحج وجدته جالسا في ذلك المكان فسألته لماذا لم تذهب من هذا المكان بعد نيل بغيتك . فقال : أيها الشيخ إني أقمت في هذا المكان القفر الذي أضعت فيه رأس مالي فهل في العدل أن أتركه بعد أن وجدته فيه ثانية ، والذي انست فيه بمشاهدة ربى ، امض يا سيدي بسلام إني سأمزج ترابى بتراب هذا المكان حتى أقوم يوم القيامة من تراب هذا المقام الذي صار به أنسى وسروري ، يقول المتنبي :
--> ( 1 ) سورة النجم آية 17 .