علي الهجويري
397
كشف المحجوب
عالم الرؤيا فسألته عما فعل الله به فقال لي ، قد عفا عنى فقلت بأي شيء فقال إن الله سبحانه وتعالى أوقفنى على قدمي وقال لي يا عبدي صبرت على ذل المسألة والمهانة من أحقر الناس والبخلاء الذي كنت تمد يدك إليهم فلذلك عفوت عنك . ثالثها : أنهم يسألون الناس إجلالا لمقام ربهم فهم يعتبرون أن متاع الدنيا ملك لله تعالى وأن الناس مستخلفون في هذا المتاع ووكلاء عنه فمنهم لا من الله نفسه يسألون ما يصلح نفسهم البشرية وفي عين العارف بالمسألة يكون العبد الذي يقدم طلبه لوكيل أشد احتراما وطاعة ممن يسأل الله تعالى « 1 » ، لذلك كان سؤالهم لغير الله علامة الحضور والالتفات عن غيره سبحانه ولا تكون علامة على الاستغناء ولا للالتفات عنه . قرأت أن يحيى بن معاذ الرازي كان له ابنة سألت أمها حاجة ذات يوم فقالت لها اطلبيها من الله سبحانه وتعالى فقالت لها الفتاة إني لأستحى أن أطلب منه سبحانه حاجة دنيا وما تعطينيه فهو منه أيضا وما قسمه لي . وشروط المسألة كما يأتي : أنك إذا لم تنل شيئا يزداد سرورك عما لو نلت شيئا بسؤالك ، وأن لا تعتبر أن مخلوقا يكون بينك وبين ربك ، وأن لا تسأل من النساء ولا من أصحاب الأسواق ، وأن لا تبوح بسرك إلا لمن تعتقد في ماله الحلال ، وتتحرى
--> ( 1 ) موضوع سؤال الناس لدى بعض الصوفية يخالف سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم رأى رجلا يديم الجلوس بالمسجد فسأل عمن يعوله فقالوا : أخاه قال صلّى اللّه عليه وسلم : أخوه أعبد منه . أما من يسأل غير اللّه فيخالف قوله صلّى اللّه عليه وسلم : إذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه . وقد استنكر ابن خلدون هذا الاتجاه من الصوفية في مقدمته لأن ترك المسلمين للدنيا يمكّن لأعدائهم ويجعلهم في تأخر مستمر يأخذون ولا يعطون وهذا يخالف هدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : القائل : « إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها » . وقوله : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » فيجب أن يسلك الإنسان طريقا وسطا ، لا إفراط ولا تفريط .