علي الهجويري

388

كشف المحجوب

« كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عنى » فقال الجنيد ردا على ذلك بقوله أن يقظتنا تتضمن أعمال عبادتنا لله تعالى أما نومنا فهو عمل الله لذا فما كان واردا من الله تعالى لنا بدون قوتنا وحولنا هو أكمل مما يرد منا إليه سبحانه بحولنا وقوتنا . والنوم موهبة من الله تعالى يكرم بها من أحبوه وهذا السؤال راجع إلى مذاهب الصحو والسكر الذي تقدم بيانهما ومن الغريب أن الجنيد الذي كان صاحب صحو يؤيد مذهب الغلبة في هذا الموضوع ويبدو أنه كان مغلوبا عليه في الوقت الذي كتب فيه هذا وإن حاله توضحه عبارته وربما كان أيضا أن الحالة ضد ما نفهم ، وإن النوم هو في الحقيقة صحو بينما الصحو هو حقيقة الغلبة لأن النوم صفة إنسانية والإنسان يكون في حال الصحو ما دام في ظل صفاته ، وعدم النوم من جهة أخرى صفة إلهية والإنسان إذا تعدى صفته صار مغلوبا عليه . وقد اجتمعت بكثير من المشايخ الذين يوافقون الجنيد في تفضيل النوم على اليقظة لأن مشاهد الأولياء وأكثر الأنبياء حصلت في النوم وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الله سبحانه يباهى بالعبد الذي نام في سجوده ، ويقول انظروا يا ملائكتي إلى عبدي روحه في محل النجوى وبدنه على بساط العبادة » « 1 » . وقد قال أيضا صلّى اللّه عليه وسلم : « من نام على طهارة يؤذن لروحه أن تطوف بالعرش ويسجد لله للرحمن » قرأت في حكايات السلف أن شاه بن شجاع السكرمانى مكث مستيقظا أربعين سنة فنام ذات ليلة فرأى الله سبحانه وتعالى وبعد ذلك صار ينام دائما رغبة في رؤية هذا المشهد وهذا معنى بيت قيس بن الملوح العامري : وإني لاستغشى وما بي نعسه * لعل خيالا منك يلقى خياليا

--> ( 1 ) هذا يخالف طبيعة البشر ، كما يخالف هدى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الذي قال عن الثلاثة الذي سألوا عن عبادته وكأنهم تقالوها فقال أحدهم : أصوم ولا أفطر ، وقال الثاني أقوم الليل ولا أنام وقال الثالث : لا أتزوج النساء فقال صلّى اللّه عليه وسلم ردا عليهم : أنه يصوم ويفطر ويقوم وينام ويتزوج النساء ثم قال : ( فمن رغب عن سنتي فليس منى ) .