علي الهجويري

367

كشف المحجوب

قال ذو النون المصري : رأيت مرة وأنا مسافر في مصر بعض الصبية يرمون الحجارة علي شاب فسألتهم ما الذي تطلبونه منه فقالوا : إنه مجنون فقلت وكيف رأيتم جنونه ؟ فقالوا : إنه ادعي رؤية ربه : فالتفت إلي الشاب وسألته هل تقول ذلك أن يتقولون عليك ؟ فقال : إني أقول إني لو لم أر ربي لحظة لكنت محجوبا ومن كان محجوبا كان عاصيا . وقد وقع بعض الصوفية في الخطأ وذلك باعتبارهم أن الرؤيا الروحانية والمشاهدة تمثلان صورة الله تعالى كما يرتسم في العقل بالخيال وذلك إما من الذاكرة أو شدة التأمل وهذا تشبيه محض ومذهب باطل . فالله سبحانه وتعالي ليس بمحدود حتى يشبهه الخيال أو يطلع علي ذاته العقل فكل ما أمكن كان مجنسا للعقل والله سبحانه وتعالي ليس مجانسا لأي شيء ولو أنه بالنسبة لقديم يكون الحادث أيا كان لطيفا أو كثيفا علي السواء مجانسا للبعض بدون النظر إلي أضدادها وحيث ذلك فالمشاهدة في هذه الدنيا تشبه الرؤيا في الدار الآخرة . وحيث أن أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اتفقوا علي جواز الرؤية فمن باب أولي جواز المشاهدة هنا وفرق بن من قالوا بالمشاهدة في هذه الدنيا أو الآخرة لا يقول إلا بجوازها لأنهم متمتعون بها أو تمتعوا بها لأن المشاهدة صفة من صفات السر ولا يمكن التعبير عنها باللسان إلا جوازا لأن الكلام يكون عن الشيء الذي لا تثبت حقيقته بالعقول حيث السكوت فيها أرقى . لأن المشاهدة قصور اللسان بحضور الجنان أما النطق فهو الدليل وفرق بين مشاهدة الشيء وشهادته ولذلك فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما بلغ درجة القرب من الله تعالى قال : « اللهم لا أحصي ثناء عليك » لأنه كان في حال المشاهدة في درجة المحبة وهي كمال الاتحاد وأي تعبير خارج عنها هو اتحاد بالغير ثم قال عليه الصلاة والسلام : « أنت كما أثنيت علي نفسك » أعني أن كلماتك كلماتي وشكرك شكري وإني لا أعتبر لساني قادرا علي التعبير بما أشعر كما قال الشاعر : تمنيت أن أهوي فلما رأيته * بهت فلم أملك لسانا ولا طرفا .