علي الهجويري
366
كشف المحجوب
كان الشبلي يقول في دعائه « اللهم أخبأ الجنة والنار في خبايا غيبك حتى تعبد بغير واسطة » فمن كان ناسيا الله سبحانه وتعالي لا يعبده بإخلاص لأن الجبلة الآدمية لها مصلحة في الجنة ولكن حيث أن القلب ليس له غرض في محبة الله تعالى فمن كان قاسيا يكون محروما من مشاهدته فقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة أم المؤمنين : أنه لم ير ربه ليلة أسري به . لكن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أخبره أنه رأي ربه ولذلك فهذه المسألة متناقضة ولكن عندما كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : إنه لم ير ربه كان يشير إلي عين بصره ، وبقوله إنه رآه كان يشير إلي عين بصيرته وحيث أن عائشة رضي اللّه عنها كانت من أهل الظاهر وابن عباس كان من أهل الحقيقة فقد تكلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مع كليهما بقدر ما وهبا . قال الجنيد : لو أن الله تعالى قال لي شاهدني لأقولن له أنا لا أشاهدك . لأن النظر العيني في عرف المحبة غير عن الله وشرك والغير يمنعني من النظر إليك وحيث أني في هذه الدنيا طلبت أن أراك بغير واسطة عيني فكيف استعمل هذه الواسطة في الدار الآخرة . إني لأحسد ناظري عليكا * فاغمض طرفي إذ نظرت إليكا سئل الجنيد : هل تحب أن تري ربك ؟ فقال : لا . فسئل لم ؟ فأجاب أن موسى عليه السّلام لما طلب أن يراه لم يره وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يطلب ذلك فرآه وإن آمالنا هي أكبر الحجب التي تبعدنا عن رؤية الله لأن وجود الإرادة النفسانية في عرف المحبة معصية والمعصية حجاب . فإذا فقدت المراد في هذه الدنيا نلت المشاهدة ومتى نلت المشاهدة لا تجد فرقا بين هذه الدنيا والأخرى . قال أبو يزيد : « إن لله عبادا لو حجبوا عن الله في الدنيا والآخرة لارتدوا » . أعني أنه يكرمهم بدوام المشاهدة ويبقيهم أحياء بحياة المحبة ومن كان متمتعا بالمشاهدة ثم حرم منها كان ولا شك كافرا .