علي الهجويري

365

كشف المحجوب

وغيره يتغلب عليه حب الفاعل عن كل ما سواه حتى يري الفاعل وحده وأحد هذه الأنواع استدلالي والآخر . جذبي ففي الحالة الأولي يكون البرهان الإثباتي مشتقا من آيات الله تعالى وفي الحالة الثانية يكون الرائي مغلوبا عليه ويكون محمولا بالمراد والبراهين والآيات تكون حجابا له « لأنه من عرف شيئا لا يهاب غيره ومن أحب شيئا لا يطالع غيره فتركوا المنازعة مع الله والاعتراض عليه في أحكامه » . قال الله تعالى عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى « 1 » وذلك لشدة تألهه لله تعالي لأن المحب إذا التفت بعينه عن كل المخلوقات وقع نظره علي الخالق بقلبه وذلك مصداقا لقوله تعالي : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى « 2 » وقال الله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ « 3 » . أي إبصار العيون عن الشهوات وإبصار القلوب عن المخلوقات إذن فكل من أغمض علي سره عن الشهوة لأن المشاهدة الباطنة متصلة بالمجاهدات الظاهرة . قال سهل بن عبد الله التستري : « إذا أغمض أحد بصره عن الله طرفة عين لا يهتدي طول عمره » لأنه من اعتبر غير اللّه تعالى اعتمد علي غيره ومن صار تحت رحمة الغير هلك فحياة المشاهدين هي في الوقت الذي يتمتعون فيه بالمشاهدة لأن الوقت الذي يمضونه في المغايبة ليس محسوبا من حياتهم حيث أنهم يعتبرونه موتا . ولذلك فإن أبا يزيد عندما سئل عن عمره قال أربع سنين فقط فقيل له وكيف ذاتك ؟ فقال : « لقد حجبت عن هذه الدنيا سبعين سنة لكني رأيته منذ الأربع سنين الماضية والمدة التي يكون الإنسان محجوبا فيها ليست من أيام حياته .

--> ( 1 ) سورة النجم آية 17 . ( 2 ) سورة النجم آية 18 . ( 3 ) سورة النور آية 30 .