علي الهجويري
350
كشف المحجوب
أما سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنه لما زاره ابن حاتم بسط له رداءه وقال « إذا آتاكم كريم قوم فأكرموه » « 1 » فمقام سيدنا إبراهيم كان سخاء ومقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان جودا وأحسن حكم في هذه المسألة هو ما ظهر في النهاية وهو أن الجود هو باتباع أول خاطر وأنه من علامة البخل أن يتغلب الخاطر الثاني علي الأول لأن الخاطر الأول بلا جدال هو من الله تعالى : قرأت أنه كان في نيسابور تاجر يحضر مجلس الشيخ أبي سعيد فسأل ذات يوم أحد الدراويش الشيخ أن يعطيه شيئا ما وكان مع التاجر دينارا وقطعة من النقود الصغيرة فقال في نفسه أولا أعطيه الدينار ولكنه فكر مرة ثانية فأعطاه القطعة الصغيرة من النقود فلما انتهى الشيخ من المذاكرة سأله التاجر أيصح للإنسان إن حجتك يحاجج ربه فقال الشيخ يا هذا إنك قد حاججته حيث أمرك أن تعطي الدينار ولكنك أعطيت النقود الصغيرة . وقرأت أيضا أن الشيخ أبا عبد الله الروذباري أتى إلي بيت أحد تلاميذه وأمر أن يؤخذ كل متاع الدار ليباع في السوق فلما رجع التلميذ فرح فرحا شديدا وذلك لأن الشيخ عمل ذلك عن حرية تامة ولم يقل شيئا فمزقت زوجته لباسها ورمت به إلي الأرض وقالت هذا أيضا من متاع البيت . فقال لها زوجها إنك تفعلين أمرا غير لازم وإنك تبدين إرادتك فقالت له يا زوجي إن ما فعله الشيخ هو نتيجة جوده ويلزمنا نحن أيضا أن نتكلف عمل الجود فقال لها : لكن إذا صرحنا للشيخ أن يكون جوادا فذلك جود حقيقي فينا أما إذا اعتبرنا الجود بالنسبة للصفات الآدمية فإنه ليس له أصل ولا جود . فالطالب يلزمه دائما أن يضحي متاعه ونفسه في طاعة أمر الله . وفي ذلك قال سهل بن عبد الله التستري : « إن الصوفي دمه هدر وملكه مباح » سمعت الحكاية الآتية من الشيخ أبي مسلم الفارسي قال : « سافرت ذات
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة عن ابن عمرو والبرر وابن خزيمة .