علي الهجويري

344

كشف المحجوب

فصل [ إشارات أهل الذوق ] وهنا أبين لك بعض إشارات أهل الذوق في حقيقة المحبة ذلك أنه لا يمكن شرحها برمتها قال أبو القاسم القشيري : المحبة هي محو المحب بصفاته وإثبات صفات المحبوب بذاته يعنى أنه ما دام المحبوب باقيا فالمحب باق وغيرة المحبة هي في أن يجعل المحب بقاء محبوبه لازما بمحو نفسه وأنه لا يمكنه محو صفاته إلا بإثبات حقيقة المحبوب والعاشق لا يمكنه البقاء بصفاته لأنه في هذه الحالة لا يرغب في جمال محبوبه ولكنه متى علم أن حياته متوقفة على جمال محبوبه فإنه من اللازم له البحث عن فناء صفاته التي تحجبه عن محبوبه وعلى ذلك فيكون في حبه لحبيبه عدوا لنفسه . ومن المشهور أن آخر كلام للحسين بن منصور الحلاج وهو على الخشبة هذه الألفاظ « حسب الواجد إفراد الواحد له » يعنى بذلك أن يبعد وجوده في طريق المحبة وأن تدمر مملكة النفس الأمارة بالسوء قال أبو يزيد البسطامي : المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك . هذا هو الطريق الذي يعامل به الله عباده المخلصين لأنه جعل ما أعطاهم في هذه الدنيا قليلا ولكنه سمى حمدهم كثيرا وذلك في مدلول الآية : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ « 1 » . وفي هذا العمر القصير والمتاع القليل والمكان الضيق يرى ذكرهم كثيرا فيقول : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ « 2 » يعرف جميع خلقه أن الحبيب الحقيقي هو الله تعالى بالذات لأنه ليس بقليل ما يكرم الله به العبد وأنه لمن القليل ما يورده الإنسان لربه . قال سهل بن عبد الله التستري : « المحبة معانقة الطاعات ومباينة المخالفات » لأن الإنسان إنما يسهل عليه أداء أوامر محبوبه على قدر محبته في قلبه وهذا مناف لما يقوله الملاحدة أن الإنسان ربما يصل إلى درجة من درجات المحبة لا يحتاج بعدها إلى عمل الطاعة وهذا مذهب

--> ( 1 ) سورة النساء آية 77 . ( 2 ) سورة الأحزاب آية 35 .