علي الهجويري

345

كشف المحجوب

باطل محض ومن المحال أن يرى إنسان عنده ذرة من العقل أن يتخلص من واجبات الشرع لأن شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم لن تنسخ أبدا وإذا سمح لأي إنسان بأنه يتخلص منها فلما لا يتخلص منها الجميع هذا وحال المغلوبين والمعتوهين خلاف ما ذكرنا ، ومن المقبول عقلا أن الله سبحانه وتعالى إذا أكرم العبد بمحبته يجعله في مرتبة لا يتألم فيها من أداء الفرائض الدينية ولا يعتوره أدنى تعب ولا نصب لأنه كما أحب العبد ربه الذي أصدر هذه الأحكام قلت المتاعب في القيام بها ولما عكف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم نفسه على عبادة الله ليلا ونهارا حتى ورمت قدماه قال الله تعالى له : طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 1 » . وأنه لمن الممكن أيضا أن العبد ربما يرى أثناء الطاعة قيامه بأوامر الله تعالى كما قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « أنه ليغان على قلبي فاستغفر الله سبعين مرة في اليوم » يعنى بذلك أنه يسأل الله المغفرة في أعماله لأنه لم يعتبر نفسه ولا أعماله حتى يفرح بطاعته لكنه كان ناظرا إلى إجلال أمر الله تعالى وكان يرى أن أفعاله لا تستوجب القبول . قال سمنون المحب : « ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة » لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « المرء مع من أحب » وحيث أن الأمر كذلك فإنهم مع الله تعالى في كلتا الدارين ومن كان مع الله لا يصدر عنه خطأ فنعيم هذه الدنيا هو معية الله لهم وفي الآخرة هو معيتهم لله . قال يحيى بن معاذ الرازي : « حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر ، لأن كلا الرحمة والقسوة في المحبة أسباب ، وصلة الشيء لا أثر لها إذا وجد الشيء نفسه ، فالمحب يفرح بالألم الذي يعذبه به محبوبه ومع وجود المحبة فإنه يعتبر الرحمة والقسوة كمعنى واحد . يروى عن الشبلي أنه حال جذبته حبس في المارستان فأتاه بعض أشخاص ليزوروه فسألهم من أنتم قالوا : أحبائك فرماهم بالحجارة ففروا منه ثم قال لهم : لو كنتم أحبائي لما فررتم من بلائي . وفي هذا كلام كثير ولكني أكتفى بهذا القدر .

--> ( 1 ) سورة طه آية 1 - 2 .