علي الهجويري
319
كشف المحجوب
ليس له اختيار . ومن قال : بأنه يصدر من الإنسان فإن ذلك اختيار ، لأن الإنسان لا يعرف الله تعالى إلا بالعلم الذي يمنحه إياه ، ومذهب التوحيد هو دون الجبر وفوق الاختيار ، والأولى أن يقال أن الإيمان حقيقة هو عمل الإنسان مصحوبا بتوفيق الله كما قال الله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 1 » . وعلى هذا الأصل فالميل للاعتقاد توفيق الله تعالى ، أما الاعتقاد فهو عمل الإنسان وعلامات الاعتقاد هي في القلب ، بشدة تمسكه بالتوحيد ، وفي العين بامتناعها عن النظر إلى المحرم والنظر بإمعانه في الآيات ، وفي الأذن بسماع كلمته ، وفي البطن بخلوها من المحرم شرعا ، وفي اللسان بالتصديق ، وفي الجسد بالعفة حتى تنفق الدعوى مع المعنى . هذا ومن قال بأن الإيمان عن الله تعالى ، يثبت بأن المعرفة والإيمان قد يزيد وينقص ، الأمر الذي أجمع على بطلانه الجميع ، لأنه لو كان حقا لكان موضوع المعرفة محلا للنقصان والزيادة . وعلى ذلك فالزيادة والنقصان يلزم أن تكونا في الفرع الذي هو الحكم ، والمتفق عليه عموما هو أن الطاعة قد تزيد وتنقص ، وهذا لا يرضى الحشوية الذين يقلدون أهل الفرقتين إذ يقول بعضهم إن الطاعة من الإيمان ، وبعضهم يقولون : إن الإيمان هو إقرار باللسان ليس إلا وكلا هذين المذهبين غير صادق . وبالاختصار : فالإيمان هو حقيقة اشتغال الأوصاف الآدمية بجملتها في طلب الله ، ويلزم كل مؤمن أن يقر بهذا ، إذ أن سلطان المعرفة يقوى على صفة الشرك وإذا وجد الإيمان ذهب الشرك لأنه كما قيل : « إذا طلع الصباح بطل المصباح » وكما قال تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها « 2 » لأن المعرفة إذا سيطرت على قلب العارف اندرست معالم دول الشك والرأي والشرك
--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 125 . ( 2 ) سورة النمل آية 34 .