علي الهجويري

320

كشف المحجوب

وسيطر سلطان المعرفة على حواسه ، وهو أن يجعلها في طاعته فيكون نظره وفعله محفوظا بحصون السنة . قرأت أنه لما سئل إبراهيم الخواص عن حقيقة الإيمان ؟ أجاب : لا يحضرني جواب على هذا السؤال الآن . لأن كل ما أقول ليس إلا عبارة عنه وأنه يلزمني أن أجيب عنه بأعمالى ، ولكني مسافر إلى مكة فاصحبنى حتى أجيبك عليه . قال الراوي فقبلت منه ذلك وكان في طول سفرنا في الصحراء يأتينا كل يوم رغيفان وقدحان من الماء فيعطيني أحدهما ويأخذ الآخر لنفسه . فذات يوم رأيت رجلا كبير السن اقترب منا ثم نزل وتكلم مع إبراهيم لحظة من الزمان ، ثم تركنا . فسألت إبراهيم أن يخبرني من هو ؟ فقال : هذا هو جواب سؤلك فقلت له كيف ذاك ؟ فقال : ذاك الخضر طلب منى أن يصحبنى لكني رفضت ذلك مخافة أنى في صحبته أتوكل عليه دون اللّه وبذلك ينقص توكلي فحقيقة الإيمان هو التوكل على الله تعالى لقوله تعالى وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » . وقد قال محمد بن خفيف : « الإيمان هو تصديق بالقلب بما أعلمه الغيب » . ذلك أنهم يكشفون له بما هو موجود في الغيب ، ويعلمونه إياه ، وأصل الإيمان أنه بالغيب ، لأن الله تعالى غائب عن عين السر ، ولا يمكن أن يجلى ليقين العبد إلا بالقوة الإلهية ، وذلك لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى لأنه معرف العارفين والعلماء ، جل جلاله ، وعم نواله ، ولأنه هو الذي خلق العلم والمعرفة في قلوبهم ، وقطع ذلك عن كسبهم وإذن فكل من وهبه معرفته من أصحاب القلب يكون مؤمنا وفي هذا الباب كلام كثير حذفته منعا للتطويل ، وإذا كانت ثمة هداية من الحق كفى ما قيل ، إذن فلا تحدث عن العبادات واكشف حجبها .

--> ( 1 ) سورة المائدة : آية 23 .