علي الهجويري

318

كشف المحجوب

بينما الكادحون بغير معرفة لا يدخلون الجنة ثبت من ذلك أن الطاعة ليست سببا في النجاة وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « لن يدخل الجنة أحدكم بعمله » . والحقيقة التي لا جدال فيها بين المسلمين هي : أن الإيمان هو المعرفة والإقرار . وقبول الأعمال فكل من عرف الله عرفه بإحدى صفاته . وصفاته سبحانه وتعالى على ثلاثة أنواع : أوصاف متصلة بجماله وأخرى متصله بجلاله وثالثه متصلة به فليس للخلق طريق إلى كمال معرفته إذا أثبتوا الكمال له ونفوا النقص . ومثل ذلك أهل الجمال والجلال فمن كان برهانهم جمال الله تعالى فهم يكونون في معرفتهم مشتاقين إليه دوما وقلوبهم في مقام الهيبة ، أما للشوق فهو ثمرة العشق أو المحبة ، وكذلك كره الصفات الآدمية لأن رفع الحجاب عن الصفات الآدمية هو عين حقيقية المحبة ، ولذلك فالإيمان والمعرفة هما المحبة والطاعة علامة عليها . فحينما يكون القلب محلا للمحبة ، والروح محلا للعبرة والقلب موضعا للمشاهدة يجب ألا يكون الجسد تاركا للأمر وألا يكون غافلا عن المعرفة ، وهذه الآفة منتشرة بين المتصوفة في عصرنا هذا وبعض أهل الإلحاد فمن شاهدوا جمال أحوالهم وقدرهم ومنزلتهم يجارونهم في هذه الدرجة العالية ويقلدونهم فيها ويقولون إن التكاليف تكون قبل التعريف فإذا وصلت إلى معرفته تحولت عنك التكاليف الجسمية للطاعة ، ولكنهم مخطئون لكني أقول أنك متى عرفته امتلأ قلبك بالتعظيم ، وصار حكمه في نظرك أجل مما كان قبل وإني أقر بأن الإنسان التقى يبلغ درجة يتخلص بها من عناء التكليف ، وذلك بنمو التوفيق الإلهى حتى يؤدى ما يتعب الغير بلا تعب لنفسه ، لكن هذه النتيجة لا يمكن أن يتحصل عليها إلا بشوق مقلق مزعج . والبعض يقولون : أن الإيمان إنما يأتي بالكلية من الله ، والبعض يقولون : إنه إنما يتأتى من الإنسان ، وقد وقع في هذا جدال عظيم بين أهل العراق فإثبات أن الإيمان إنما يتأتى كلية عن الله هو القول بالجبر ، لأنه يثبت أن الإنسان