علي الهجويري
310
كشف المحجوب
وأنا علي بن عثمان الجلابي ، قلت في أول هذا الفصل : أن التوحيد مبنى على إثبات الوحدة لشيء ما ، وأن ذلك الإثبات لا يمكن أن يقرر بغير معرفة ، فأهل السنة أثبتوا توحيد اللّه بالفهم الحقيقي ، وذلك لشهود دقة العمل وغريب الحكمة ، وأن هذه الأشياء لا يمكن أن توجد بنفسها وبدون صانع ، وأنهم أثبتوا براهين وأدلة على حدوث الأشياء ، وأنهم أوجبوا وجود الفاعل ، الذي خلق هذا العالم من أرض وسماء وشمس وقمر ، وبر وجبل وصحراء ، وحركات الكائنات وسكناتها ، وعلمها ونطقها ، وحياتها وموتها . وأنه لا بد لكل هذه الأشياء من صانع لا يستغنى عنه ، لذلك فأهل السنة في نفيهم وجود صانعين أو ثلاثة يثبتون لأنفسهم الاكتفاء بصانع واحد ، كامل حي عليم قادر لا شريك له ، وكما أن الفعل يحتاج إلى فاعل واحد على الأقل فوجود فاعلين لفعل واحد يوجب استقلال الواحد عن الآخر ، فمن ذلك أن الفاعل واحد في الحقيقة بلا جدال ، ونحن في هذا الصدد على طرفي نقيض مع أصحاب المذاهب الثنوية الذين يقولون النور والظلام « 1 » ومع المجوس الذين يعتقدون بيزدان وأهريمن ومع الفلاسفة الطبيعيين الذين يقولون بالطبع والقوة ، والفلكين الذين يصدقون بالأفلاك السبعة ، والمعتزلة الذين يقولون بتعدد الخالقية والصناع بدون حد . وقد وضحت كل هذه الآراء الفاسدة في كتابي الذي سميته « الرعاية لحقوق اللّه » الذي ألفت إليه نظر الطالب أو إلى كتب السلف الصالح فليس هنا مجال بيان ترهات تلك الطوائف والآن أرجع إلى إرشادات أهل المعرفة في هذا الخصوص وأقول . فصل [ التوحيد ] يروى أن الجنيد قال : « التوحيد أفراد القديم عن الحديث » أعنى أنه لا يجوز لك اعتبار القديم أن يكون محلا للحادث ، ولا الحادث أن يكون محلا
--> ( 1 ) الثنوية - القائلين بالنور والظلمة وأنهما أزليان وقديمان وزعموا أن العالم مركب منهما .