علي الهجويري
311
كشف المحجوب
للقديم ، ويلزمك أن تعرف أن اللّه قديم وأنك حادث وأنه لا شيء منك متصل به وأن لا شيء من صفاته مزدوج بك ، وأنه لا تجانس بين القديم والحادث ، ذلك أن القديم كان قبل وجود المحدثات فلا حاجة به إليها . هذا الرأي مضاد لمذهب من قال بقدم الروح وقد تقدم ذكره ، فإذا اعتقدنا أن القديم نزل إلى الحادث ، لو أن الحادث اتصل بالقديم لم يبق برهان على قدم اللّه وعلى وجود الكون ، هذا يذهب بنا إلى الدهريين « 1 » نعوذ باللّه من اعتقاد السوء فكل أعمال الحادث براهين ناطقة على توحيد اللّه وآيات دالة على قدرة اللّه . وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد « 2 » وهي علامات توضح قدمه سبحانه ، ولكن الناس شديد والغفلة في الرغبة فيه وحده ، أو الاكتفاء بذكره ، وحينما لا يعلمون ألا شريك له في خلقه وإهلاكه ، ولا شريك له في صنعه يكونون قد زالوا عن الطريق السوى . قال الحسين بن منصور الحلاج : « أول قدم في التوحيد فناء التفريد » لأن التفريد هو النطق بأن الواحد انفصل عن الآفات بينما التوحيد هو إثبات وحدة الشيء . لذلك ففي الفردانية يمكن إثبات شيء غيره والوحدانية ربما لا تكون لشيء غيره ، لذلك فالقدم في التوحيد هو إنكار شريك له ونفى المزاج عن المنهاج لأن المزاج في طريق اللّه هو بحثك عن المنهاج بلا سراج . قال الحصري : « أصولنا في التوحيد خمسة : إزالة رفع الحدث ، وإثبات القدم ، وهجر الأوطان ومفارقة الأخوان ، ونسيان ما علم وما جهل » ذلك أن رفع الحدث يعنى أن الحدث لا علاقة له بالتوحيد ولا يمكنه أن يصل إلى حقيقة العلية . أما إثبات القدم فيعنى : أن اللّه جل جلاله موجود أبدا . وقد شرحت ذلك في مناقشة ما قال الجنيد أما هجر الأوطان فيعنى بالنسبة للمريد ترك المسرات المعتادة للنفس الدينية ومظاهر هذه الدنيا ويعنى بالنسبة للمتمكن ترك المقامات العليا والأحولا والكرامات - ويعنى مفارقة الاخوان الابتعاد عن مجتمع البشر والاتجاه نحو اللّه إذ أن أي خاطر في غير
--> ( 1 ) الدهرية يقولون بقدم العالم وأبديته وينكرون الخالق ويعتقدون أن ما يحدث في العالم إنما هو بقوانين الطبيعة . ( 2 ) اللمع للسراج الطوسي ص 53 .